Skip to content

Books to be read, not browsed

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام — البرهان في علوم القرآن

From ⁧البرهان في علوم القرآن⁩ by ⁧أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي⁩ — leaf 912 of 1,926.

النوع الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام

vol. 2 · p. 419

في القرآن التأكيد بالخفيفة إلا في موضعين: {وليكونا من الصاغرين} وقوله تعالى: {لنسفعا بالناصية} ولما لم يتجاوز الثلاثة في تأكيد الأسماء فكذلك لم يتجاوزها في تأكيد الأفعال قال تعالى: {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} لم يزد على ثلاثة مهل وأمهل ورويدا كلها بمعنى واحد وهن فعلان واسم فعل

رابعا: "لن" لتأكيد النفي كإن في تأكيد الإثبات فتقول: لا أبرح فإذا أردت تأكيد النفي قلت: لن أبرح قال سيبويه: هي جواب لمن قال: سيفعل يعني والسين للتأكيد فجوابها كذلك وقال الزمخشري: لن تدل على استغراق النفي في الزمن المستقبل بخلاف "لا" وكذا قال في المفصل: "لن" لتأكيد ما تعطيه "لا" من نفي المستقبل وبني على ذلك مذهب الاعتزال في قوله تعالى: {لن تراني} قال: هو دليل عن نفي الرؤية في الدنيا والآخرة وهذا الاستدلال حكاه إمام الحرمين في الشامل عن المعتزلة ورد عليهم بقوله تعالى لليهود: {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدا} ثم أخبر عن عامة الكفرة أنهم يتمنون الآخرة فيقولون: {يا ليتها كانت القاضية} يعني: الموت

ومنهم من قال: لا تنفي الأبد ولكن إلى وقت بخلاف قول المعتزلة وأن النفي بلا أطول من النفي بلن لأن آخرها ألف وهو حرف يطول فيه النفس فناسب طول المدة بخلاف "لن"

vol. 2 · p. 420

ولذلك قال تعالى: {لن تراني} وهو مخصص بدار الدنيا

وقال: {لا تدركه الأبصار} وهو مستغرق لجميع أزمنة الدنيا والآخرة وعلل بأن الألفاظ تشاكل المعاني ولذلك اختصت لا بزيادة مدة

وهذا ألطف من رأي المعتزلة ولهذا أشار ابن الزملكاني في التبيان بقوله: "لا" تنفي ما بعد و"لن" تنفي ما قرب وبحسب المذهبين أولوا الآيتين قوله تعالى: {ولن يتمنوه أبدا} {ولا يتمنونه أبدا}

ووجه القول الثاني أن: {لا يتمنونه} جاء بعد الشرط في قوله تعالى: {إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت} وحرف الشرط يعم كل الأزمنة فقوبل بلا ليعمم ما هو جواب له أي زعموا ذلك في وقت ما قيل لهم تمنوا الموت وأما {ولن يتمنوه} فجاء بعد قوله: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة} أي: إن كانت لكم الدار الآخرة فتمنوا الموت الآن استعجالا للسكون في دار الكرامة التي أعدها الله لأوليائه وأحبائه وعلى وفق هذا القول جاء قوله: {لن تراني}

قلت: والحق أن "لا" و"لن" لمجرد النفي عن الأفعال المستقبلة والتأبيد وعدمه يؤخذان من دليل خارج ومن احتج على التأبيد بقوله: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} وبقوله: {لن يخلقوا ذبابا} عورض بقوله: {فلن أكلم اليوم إنسيا} ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم وبقوله: {ولن يتمنوه أبدا} ولو كانت

Ed. Muhammad Abu al-Fadl Ibrahim — Dar Ihya' al-Kutub al-'Arabiyya, 'Isa al-Babi al-Halabi and Partners — 1st ed., 1376 AH - 1957 CE