النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 2 · p. 462
ورد ما قاله بأن الشرط حصول زيادة الوضوح بسبب انضمام عطف البيان مع متبوعه لا أن الشرط كونه أوضح وأشهر من الأول لأن من الجائز أن يحصل باجتماع الثاني مع الأول زيادة وضوح لا تحصل حال انفراد كل واحد منهما كما في " خالي أبو عبد الله زيد " مع أن اللقب أشهر فيكون في كل واحد منهما خفاء بانفراده ويرفع بالانضمام
وقال سيبويه: جعل " يا هذا الحمد " عطف بيان مع أن اسم الإشارة أعرف من المضاف إلى ذي اللام وقيل: يشترط أن يكون عطف البيان معرفة والصحيح أنه ليس بشرط كقولك: لبست ثوبا جبة وقد أعرب الفارسي: {من شجرة مباركة زيتونة} وكذا: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} وكذلك صاحب المفتاح في: {لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد}
فإن قلت: ما الفرق بينه وبين الصفة؟
قلت: عطف البيان وضع ليدل على الإيضاح باسم يختص به وإن استعمل في غير الإيضاح كالمدح في قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام} فإن {البيت الحرام} عطف بيان جيء به للمدح لا للإيضاح وأما الصفة فوضعت لتدل على معنى حاصل في متبوعه وإن كانت في بعض الصور مفيدة للإيضاح للعلم بمتبوعها من غيرها
وكقوله تعالى: {إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله} وقوله تعالى: {آيات بينات مقام إبراهيم}
vol. 2 · p. 463
وزعم الزمخشري في قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} أن {من وجدكم} عطف بيان
وهو مردود فإن العامل إنما يعاد في البدل لا في عطف البيان
فإن قلت: ما الفرق بينه وبين البدل؟
قلت: قال أبو جعفر النحاس: ما علمت أحدا فرق بينهما إلا ابن كيسان فإن الفرق بينهما أن البدل يقرر الثاني في موضع الأول وكأنك لم تذكر الأول وعطف البيان أن تقدر أنك إن ذكرت الاسم الأول لم يعرف إلا بالثاني وإن ذكرت الثاني لم يعرف إلا بالأول فجئت بالثاني مبينا للأول قائما له مقام النعت والتوكيد
قال: وتظهر فائدة هذا في النداء تقول: يا أخانا زيد أقبل على البدل كأنك رفعت الأول وقلت: يا زيد أقبل فإن أردت عطف البيان قلت: يا أخانا زيد أقبل
القسم الخامس: ذكر الخاص بعدم العام
فيؤتى به معطوفا عليه بالواو وللتنبيه على فضله حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات وعلى هذا بنى المتنبي قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال