النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 2 · p. 463
وزعم الزمخشري في قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} أن {من وجدكم} عطف بيان
وهو مردود فإن العامل إنما يعاد في البدل لا في عطف البيان
فإن قلت: ما الفرق بينه وبين البدل؟
قلت: قال أبو جعفر النحاس: ما علمت أحدا فرق بينهما إلا ابن كيسان فإن الفرق بينهما أن البدل يقرر الثاني في موضع الأول وكأنك لم تذكر الأول وعطف البيان أن تقدر أنك إن ذكرت الاسم الأول لم يعرف إلا بالثاني وإن ذكرت الثاني لم يعرف إلا بالأول فجئت بالثاني مبينا للأول قائما له مقام النعت والتوكيد
قال: وتظهر فائدة هذا في النداء تقول: يا أخانا زيد أقبل على البدل كأنك رفعت الأول وقلت: يا زيد أقبل فإن أردت عطف البيان قلت: يا أخانا زيد أقبل
القسم الخامس: ذكر الخاص بعدم العام
فيؤتى به معطوفا عليه بالواو وللتنبيه على فضله حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات وعلى هذا بنى المتنبي قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
vol. 2 · p. 464
وابن الرومي أيضا حيث قال:
كم من أب قد علا بابن ذرا شرف
كما علت برسول الله عدنان
وحكى الشيخ أثير الدين عن شيخه أبي جعفر بن الزبير أنه كان يقول: إن هذا العطف يسمى بالتجريد كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر تفصيلا
وله شرطان ذكرهما ابن مالك: أحدهما كون العطف بالواو والثاني كون المعطوف ذا مزية وحكى قولين في العام المذكور: هل يتناول الخاص المعطوف عليه أولا يتناوله؟ فعلى القول الأول يكون هذا نظير مسألة "نعم الرجل زيد" على المشهور فيه وهو الظاهر من لفظ العام وعلى الثاني يكون عطف الخاص قرينة دالة على إرادة التخصيص في العام وأنه لم يتناوله وهو نظير بحث الاستثناء في نحو قولك: قام القوم إلا زيدا من أن زيدا لم يدخل في القوم وقد يتقوى هذا بقوله
يا حب ليلى لا تغير وازدد وانم كما ينمو الخضاب في اليد
وإن كان هذا ليس من العطف العام
وقد أشار الزمخشري إلى القولين في سورة الشعراء في قوله: {جنات وعيون. وزروع ونخل طلعها هضيم}