النوع السادس والأربعون: في أساليب القرآن وفنونه البليغة
vol. 2 · p. 474
هو الزبور ونقله على إجماع المفسرين لما تضمنه من النعت كما تعطف النعوت بعضها على بعض وهذا يرده تكرار الباء فإنه يشعر بالفصل لأن فائدة تكرار العامل بعد حرف العطف إشعار بقوة الفصل من الأول والثاني وعدم التجوز في العطف الشيء على نفسه
والذي يظهر أنه للتأسيس وبيانه وجوه:
أحدها: أن قوله تعالى: {جاءتهم} يعود الضمير فيه على المكذبين للنبي صلى الله عليه وسلم وعلى الذين من قبلهم فيكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا في المرسلين المذكورين والكتاب المنير هو القرآن وقوله تعالى: {ثم أخذت الذين كفروا} معطوف على قوله تعالى: {فقد كذب الذين من قبلهم} أي: كذبوا ثم أخذتهم بقيام الحجة عليهم {بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير} وجاء تقديم قيام الحجة عليهم قبل العطف اعتراضا للاهتمام به وهو من أدق وجوه البلاغة ومثله في آية آل عمران قوله تعالى: {فقد كذب رسل من قبلك} وقوله: {جاءوا} انصراف من الخطاب إلى الغيبة كأنه قال: جاء هؤلاء المذكورون فيكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا في الضمير وهو في موضع جئتم بالبينات فأقام الإخبار عن الغائب مقام المخاطب كقوله تعالى: {جرين بهم} وفيه وجه من التعجب كأن المخاطب إذا استعظم الأمر رجع إلى الغيبة ليعم الإخبار به جميع الناس وهذا موجود في الآيتين والثاني: أن يكون على حذف مضاف كأنه قيل: الكتاب المنير يعني القرآن
vol. 2 · p. 475
فيكون مثل قوله: {ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد}
وهذا وجه حسن
تنبيهات
الأول: أنكر المبرد هذا النوع ومنع عطف الشيء على مثله إذ لا فائدة فيه وأول ما سبق باختلاف المعنيين ولعله ممن ينكر أصل الترادف في اللغة كالعسكري وغيره
الثاني: ما ذكرناه من تخصيص هذا النوع بالواو هو المشهور وقال ابن مالك: وقد أنيبت " أو " عنها كما في قوله تعالى: {نشوزا أو إعراضا} {ومن يكسب خطيئة أو إثما}
قال شيخنا: وفيه نظر لإمكان أن يراد بالخطيئة ما وقع خطأ وبالإثم ما وقع عمدا قلت ويدل له قوله تعالى قبل ذلك: {ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه}
وجعل منه بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"
قلت: ما ذكره ابن مالك قد سبقه به ثعلب فيما حكاه ابن سيده في المحكم فقال ثعلب في قوله تعالى: {عذرا أو نذرا} العذر والنذر واحد