تابع النوع السادس والأربعون
vol. 3 · p. 426
وقيل: لما كان جعل الفرع أصلا والأصل فرعا في التشبيه في حالة الإثبات يقتضي المبالغة في التشبيه كقولهم: القمر كوجه زيد والبحر ككفيه كان جعل الأصل فرعا والفرح أصلا في كماله الذي يقتضي نفي المبالغة في المشابهة لا نفي المشابهة وذلك هو المقصود هنا لأن المشابهة واقعة بين الذكر والأنثى في أعم الأوصاف وأغلبها ولهذا يقاد أحدهما بالآخر.
ومنها قصد المبالغة، فيقلب التشبيه ويجعل المشبه هو الأصل ويسمى تشبيه العكس لاشتماله على جعل المشبه مشبها به والمشبه به مشبها، كقوله تعالى: {قالوا إنما البيع مثل الربا} كان الأصل أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في الربا لا في البيع لكن عدلوا عن ذلك وتجرءوا إذ جعلوا الربا أصلا ملحقا به البيع في الجواز وأنه الخليق بالحل.
ويحتمل أن يكون المراد إلزام الإسلام فيحرم البيع قياسا على الربا لاشتماله على الفضل طردا لأصلهم وهو في المعنى نقض على علة التحريم ويؤيده قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} وفيه إشارة إلى أن الواجب اتباع أحكام الله واقتفاؤها من غير تعرض لإجرائها على قانون واحد وأن الأسرار الإلهية كثيرا ما تخفى وهو أعلم بمصالح عباده فيسلم له عنان الانقياد وأنهم جعلوا ذلك من باب إلزام الجدلي وجاء الجواب بفك الملازمة وأن الحكمة فرقت بينهما وفيه إبطال القياس في مقابلة النص.
ومنه قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} فإن الظاهر العكس لأن.
vol. 3 · p. 427
الخطاب لعبدة الأوثان وسموها آلهة تشبهيا بالله سبحانه وقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق فخولف في خطابهم لأنهم بالغوا في عبادتهم وغلوا حتى صارت عندهم أصلا في العبادة والخالق سبحانه فرعا فجاء الإشكال على وفق ذلك.
والظاهر أنهم لما قاسوا غير الخالق خوطبوا بأشد الإلزامين وهو تنقيص المقدس لا تقديس الناقص.
قال السكاكي: وعندي أن المراد ب[من لا يخلق] الحي القادر من الخلق تعريضا بإنكار تشبيه الأصنام بالله تعالى من طريق الأولى. وجعل منه قوله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} بدل [هواه إلهه] فإنه جعل المفعول الأول ثانيا والثاني أولا للتنبيه على أن الهوى أقوى وأوثق عنده من إلاهه.
ومنه قوله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} .
وقوله: {أم نجعل المتقين كالفجار} ، فإن بعضهم أورد أن أصل التشبيه يشبه الأدنى بالأعلى فيقال: [أفتجعل المجرمين كالمسلمين والفجار كالمتقين] فلم خولفت القاعدة!.
ويقال: فيه وجهان:.
أحدهما: أن الكفار كانوا يقولون: نحن نسود في الآخرة كما نسود في الدنيا ويكونون أتباعا لنا فكما أعزنا الله في هذه الدار يعزنا في الآخرة فجاء الجواب على معتقدهم أنهم أعلى وغيرهم أدنى.
الثاني: لما قيل قبل الآية: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك.