النوع التاسع والعشرون: في آداب تلاوتها وكيفيتها
vol. 2 · p. 18
كذا قاله القفال الشاشي وفيه نظر لما سبق.
ومثله قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام} إلى قوله: {من الخيط الأسود} ، فلو تعلق متعلق بقوله: {وكلوا واشربوا} في إباحة أكل أو شرب كل شيء قد اختلف فيه لكان لا معنى له؛ لأن المخاطب قد غفل عن أنها لم ترد مبينة لذلك، بل مبينة لحكم جواز الأكل والشرب والمباشرة إلى الفجر دفعا لما كان الناس عليه من حظر ذلك على من نام، فبين في الآية إباحة ما كان محظورا ثم أطلق لفظ الأكل والشرب ذوالمباشرة لا معنى إبانة الحكم فيما يحل من ذلك وما يحرم.
ألا ترى أنه لا يدخل فيه شرب الخمر والدم وأكل الميتة ولا المباشرة فيما لا يبتغى منه الولد، ومثله في القرآن كثير.
وهذا يدل على أن النظر في العموم إلى المعاني لا لإطلاق اللفظ قال القفال ومن ضبط هذا الباب أفاد علما كثيرا
فصل
الأحكام المستنبطة من تنبيه الخطاب
ومما تستثمر منه الأحكام تنبيه الخطاب وهو إما في الطلب كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} فنهيه عن القليل منبه على الكثير، وقوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} يدل على تحريم الإحراق والإتلاف.
vol. 2 · p. 19
وإما في الخبر
فإما أن يكون بالتنبيه بالقليل على الكثير كقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} فنبه على أن الرطل والقنطار لا يضيع لك عنده. وكقوله: {ما يملكون من قطمير} {ولا يظلمون نقيرا} {ولا يظلمون فتيلا} {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة} فإنه يدل على أن من لم يملك نقيرا أو قطميرا مع قلتهما فهو عن ملك ما فوقهما أولى وعلم أن من لم يعزب عنه مثقال ذرة مع خفائه ودقته فهو بألا يذهب عنه الشيء الجليل الظاهر أولى.
وإما بالكثير على القليل كقوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} فهذا من التنبيه على أنه يؤدي إليك الدينار وما تحته ثم قال: {ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك} فهذا من الأول وهو التنبيه بالقليل على الكثير فدل بالتنبيه على أنك لا تأمنه بقنطار بعكس الأول.
ومثل قوله في فرش أهل الجنة: {بطائنها من إستبرق} وقد علمنا أن أعلى ما عندنا هو الإستبرق الذي هو الخشن من الديباج فإذا كان بطائن فرش أهل الجنة ذلك فعلم أن وجوهها في العلو إلى غاية لا يعقل معناها. وكذلك قوله في شراب أهل الجنة: {ختامه مسك} وإنما يرى من الكأس الختام وأعلى ما عندنا رائحة المسك وهو أدنى شراب أهل الجنة فليتبين