Skip to content

Books to be read, not browsed

105 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 234 of 670.

105

vol. 1 · p. 235

لما حكى عن العواذل أنهم قالوا: "هو في غمرة"، وكان ذلك مما يحرك السامع لأن يسأله فيقول: "فما قولك في ذلك، وما جوابك عنه؟ "، أخرج الكلام مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له، وصار كأنه قال: "أقول: صدقوا، أنا كما قالوا، ولكن لا مطمع لهم في فلاحي"، ولو قال: "زعم العواذل أنني في غمرة وصدقوا"، لكان يكون لم يصنع في نفسه أنه مسئول1، وأن كلامه كلام مجيب.

ومثله قول الآخر في الحماسة:

زعم العواذل أن ناقة جندب ... بجنوب خبت عريت وأجمت

كذب العواذل لو رأين مناخنا ... بالقادسية فلن لج نووذلت2

وقد زاد هذا أمر القطع والاستئناف وتقدير الجواب، تأكيد بأن وضع الظاهر موضع المضمر، فقال: "كذب العواذل": ولم يقل "كذبن"، وذلك أنه لما أعاد ذكر "العواذل" ظاهرا، كان ذلك أبين وأقوى، لكونه كلاما مستأنفا من حيث وضعه وضعا لا يحتاج فيه إل ىما قبله، وأتى به مأتى ما ليس قبله كلام.

ومما هو على ذلك قول الآخر:

زعمتم إن إخوانكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف3

vol. 1 · p. 236

وذلك أن قوله: "لهم إلف" تكذيب لدعواهم أنهم من قريش، فهو إذن بمنزلة أن يقول: "كذبتم، لهم إلف، وليس لكم ذلك": ولو قال: "زعمتم أن إخوانكم قريش ولهم إلف وليس لكم إلاف"، لصار ممنزلة أن يقول: "زعمتم أن إخواتكم قريش وكذبتم"، في أنه كان خيرج عن أن يكون موضوعا على أنه جواب سائل يقول له: "فماذا تقول في زعمتم ذلك في دعواهم؟ " فاعرفه.

واعلم أنه لو أظهر "كذبتم"، لكان يجوز له أن يعطف هذا الكلام الذي هو قوله: "لهم إلف" عليه بالفاء، فيقول: "كذبتم فلهم إلف، وليس لكم ذلك" فأما الآن فلا مساغ لدخول الفاء البتة، لأنه يصير حينئذ معطوفا بالفاء على قوله: "زعمتم أن إخوانكم قريش"، وذلك يخرج إلى المجال، من حيث يصير كأنه يستشهد بقوله: "لهم إلف"، على أن هذا الزعم كان منهم، كما أنك إذا قلت: "كذبتم فهلم إلف"، كنت قد استشهدت بذلك على أنهم كذبوا، فاعرف ذلك.

ومن اللطيف في الاستئناف، على معنى جعل الكلام جوابا في التقدير، قول اليزيدي:

ملكته حبلي ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي

وقال إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب1

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE