105
vol. 1 · p. 236
وذلك أن قوله: "لهم إلف" تكذيب لدعواهم أنهم من قريش، فهو إذن بمنزلة أن يقول: "كذبتم، لهم إلف، وليس لكم ذلك": ولو قال: "زعمتم أن إخوانكم قريش ولهم إلف وليس لكم إلاف"، لصار ممنزلة أن يقول: "زعمتم أن إخواتكم قريش وكذبتم"، في أنه كان خيرج عن أن يكون موضوعا على أنه جواب سائل يقول له: "فماذا تقول في زعمتم ذلك في دعواهم؟ " فاعرفه.
واعلم أنه لو أظهر "كذبتم"، لكان يجوز له أن يعطف هذا الكلام الذي هو قوله: "لهم إلف" عليه بالفاء، فيقول: "كذبتم فلهم إلف، وليس لكم ذلك" فأما الآن فلا مساغ لدخول الفاء البتة، لأنه يصير حينئذ معطوفا بالفاء على قوله: "زعمتم أن إخوانكم قريش"، وذلك يخرج إلى المجال، من حيث يصير كأنه يستشهد بقوله: "لهم إلف"، على أن هذا الزعم كان منهم، كما أنك إذا قلت: "كذبتم فهلم إلف"، كنت قد استشهدت بذلك على أنهم كذبوا، فاعرف ذلك.
ومن اللطيف في الاستئناف، على معنى جعل الكلام جوابا في التقدير، قول اليزيدي:
ملكته حبلي ولكنه ... ألقاه من زهد على غاربي
وقال إني في الهوى كاذب ... انتقم الله من الكاذب1
106
vol. 1 · p. 237
استأنف قوله: "انتقم الله من الكاذب"، لأنه جعل نفسه كأنه يجيب سائلا قال له: "فما تقول فيما اتهمك به من أنك كاذب؟ " فقال أقول: "انتقم الله من الكاذب".
ومن النادر أيضا في ذلك قول الآخر:
قال لي كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل1
لما كان في العادة إذا قيل للرجل: "كيف أنت؟ " فقال: "عليل"، أن يسأل ثانيا فيقال: "ما بك؟ وما علتك؟ "، قدر كأنه قد قيل له ذلك، فأتى بقوله: "سهر دائم" جوابا عن هذا السؤال المفهوم من فحوى الحال، فاعرفه:
ومن الحسن البين في ذلك قول المتنبي:
وما عقب الرياح له محلا، ... عفاه من دا بهم وساقا2
لما نفى أن يكون الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح، وأن تكون التي فعلت ذلك، وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل: "لم يفعله فلان"، أن يقال: "فمن فعله؟ " قدر كأن قائلا قال: "قد زعمت أن الرياح لم تعف له محلا، فما عفاه إذن؟ "، فقال مجيبا له: "عفاه من حدا بهم وساقا".
ومثله قوله الوليد بن يزيد:
عرفت المنزل الخالي ... عفا من بعد أحوال