مواضع التقديم والتأخير: الاستفهام
vol. 1 · p. 244
وههنا شيء ىخر دقيق، وهو أنك إذا نظرت إلى قوله: "فكان مسير عسهم ذميلا"، وجدته لم يعطف هو وحده على ما عطف عليه، ولكن تجد العطف قد تناول جملة البيت مربوطا آخره بأوله. ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليهم بغتة، وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه، مستدعيا بكاءه1، وموجبا أن ينهمل دمعه، فلم يعنه أن يذكر ذملان العيس إلا لليذكر هملان الدمع، وأن يوفق بينهما.
وكذلك الحكم في الأول، فنحن وإن كنا قلنا إن العطف على "تولوا بغتة"، فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوعا عما بعده، بل العطف عليه مضموما إليه ما بعده إلى أخره، وإنما أردنا بقولنا "إن العطف عليه"، أن تعلمك أنه الأصل والقاعدة، وأن نصرفك عن أن تطرحه، وتجعل العطف على ما يلي هذا الذي تعطفه، فتزعم أن قوله: "فكان مسير عيسهم" معطوف على "فاجأني"، فتقع في الخطأ كالذي أريناك.
فامر العطف إذ، موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة، وتعمد أخرى إلى جملتين أو جمل بعضا على بعض، ثم تعطف مجموع هذي على مجموع تلك.
بيان في العطف في الشرط والجزاء:
وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلا يعتبر به.
وذلك أنك ترى، متى شئت، جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى،
109
vol. 1 · p. 245
ثم جعلنا بمجموعهما شرطا1، ومثال ذلك قوله تعالى: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 112]، الشرط كما لا يخفى في مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد، ولا في واحدة دون الأخرى، لأنا إن قلنا إنه في كل واحدة منهما على الانفراد، جعلناهما شرطين، وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين، وليس منه إشراك ما ليس بشرط في الجزم بالشرط، وذلك ما لا يخفى فساده.
ثم إنا نعلم من طريق المعنى أن الجزء الذي هو احتمال البهتان والإثم المبين، أمر يتعلق إيجابه لمجموع ما حصل من الجملتين، فليس هو لاكتساب الخطيئة على الانفراد، ولا لرمي البرئ بالخطيئة أو الإثم على الإطلاق، بل لرمي الإنسان البرئ بخطيئة أو إثم كان من الرامي، وكذلك الحكم أبدا. فقوله تعالى: {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} [النساء: 100] لم يعلق الحكم فيه بالهجرة على الانفراد، بل بها مقرونا إليها أن يدركه الموت عليها.
واعلم أن سبيل الجملتين في هذا، وجعلهما بمجموعهما بمنزلة الجملة الواحدة، سبيل الجزءين تعقد منهما الجملة، ثم يجعل المجموع خبرا أو صفة أو حالا، كقولك: "زيد قام غلامه" و "يزيد أبوه كريم" و "مررت برجل أبوه كريم" و "جاءني زيد يعدو به فرسه". فكما يكون الخبر والصفة والحال لا محالة في مجموع الجزءين لا في أحدهما، كذلك يكون الشرط في