Skip to content

Books to be read, not browsed

113 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 252 of 670.

113

vol. 1 · p. 253

وفي مثل هذا قال الشاعر:

زوامل للأشعار لا علم عندهم ... بجيدها إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدري البعير إذا غدا ... بأوساقه أو راح ما في الغرائر1

وقال الآخر:

يا أبا جعفر تحكم في الشع ... ر وما فيك ألة الحكام

إن نقد الدينار إلا على الصي ... رف صعب فكيف نقد الكلام

قد رأيناك لست تفرق في الأش ... عار بين الأرواح والأجسام

واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبا وحكمة وكان غريبا نادرا، فهو أشرف مما ليس كذلك بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص، أن لا يعتبر في قضيته تلك إلى الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته، وأن لا ينظر يها إلى جنس آخر، وإن كان من الأولى بسبيل، أو متصلا به اتصال ما لا ينفك منه.

سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة:

ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار. فكما أن محالا إذا أنت أردت النظر في

114

vol. 1 · p. 254

صوغ الخاتم، وفي جودة العمل ورداءته، أن تنظر إلى الفضة الحاملة تلك الصورة، أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل وتلك الصنعة1 2 كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام، أن تنظر في مجرد معناه وكما أنا لو فضلنا خاتما على خاتم، بأن تكون فضة هذه أجود، أو فصه أنفس، لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتا على بيت من أجل معناه، أن لا يكون ذلك تفضيلا له من حيث هو شعر وكلام. وهذا قاطع، فاعرفه.

مقالة الجاحظ في أن المعاني مطروحة في الطريق، وبيان ذلك:

واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنف في شأن البلاغة، وكلام جاء عن القدماء، إلا وجدته يدل على فساد هذا المذهب، ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه والعيب به.

وإذا نظرت في كتب الجاحظ وجدته يبلغ في ذلك كل مبلغ، ويتشدد غاية التشدد، وقد انتهى في ذلك إلى أن جعل العلم بالمعاني مشتركا، وسوى فيه بين الخاصة والعامة فقال: "ورأيت ناسا يبهرجون أشعار المولدين، ويستسقطون من رواها، ولم أر ذلك قط إلا في رواية غير بصير بجوهر ما يروى، ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان، وفي أي زمان كان. وأنا سمعت أبا عمرو الشيباني، وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين ونحن في المسجد الجامع يوم الجمعة، أن كلف رجلا حتى أحضره قرطاسا ودواة حتى كتبهما. قال الجاحظ: وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا، ولولا أن

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE