Skip to content

Books to be read, not browsed

116 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 257 of 670.

116

vol. 1 · p. 258

فصل: هو فن آخره يرجع إلى هذا الكلام

تفصيل آخر، في العبارتين ترى أنهما يؤديان غرضا واحدا:

قد علم أن المعارض للكلام معارض له من الجهة التي منها ويوصف بأنه فصيح وبليغ، ومتخير اللفظ جيد السبك، ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى اللفظ. وإذا كان هذا هكذا، فبنا أن ننظر فيما إذا أتي به كان معارضا ما هو؟ أهو أن يجيء بلفظ فيضعه مكان لفظ آخر، نحو أن يقول بدل "أسد" "ليث"، وبدل "بعد" "نأى"، ومكان "قرب" "دنا"، أم ذلك ما لا يذهب إليه عاقل ولا يقوله من به طرق؟ 1 كيف؟ ولو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين الترجمة والمعارضة، ولكان كل من فسر كلاما معارضا له. وإذا بطل أن يكون جهة للمعارضة، وأن يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضا على وجه من الوجوه، علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه بالألفاظ، دون الألفاظ أنفسها، لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ، وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة2، إلا ما ذكرت، لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى معاني الكلام المعقولة، دون ألفاظه المسموعة. وإذا عادت المعارضة إلى جهة المعنى، وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ، حصل من ذلك "الفصاحة" و"البلاغة" و"تخير اللفظ" عبارة عن خصائص ووجوه تكون

117

vol. 1 · p. 259

معاني الكلام عليها، وعن زيادات تحدث في أصول المعاني، كالذي أريتك فيما بين "زيد كالأسد" و "كأن زيدا الأسد"، وبأن لا نصيب للألفاظ من حيث هي ألفاظ فيها بوجه من الوجوه.

واعلم أنك لا تشفي الغلة ولا تنتهي إلى ثلج اليقين، حتى تتجاوز حد العلم بالشيء مجملا، إلى العلم به مفصلا، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه، والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يصنع فيه إلى أن يعرف منبته، ومجرى عروق الشجر، الذي هو منه، وإنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية، كنسج الديباج وصوغ الشنف والسوار وأنواع ما يصاغ1، وكل ما هو صنعة وعمل يد، بعد أن يبلغ مبلغا يقع التفاضل فيه، ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت، ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون.

وهذا القياس، وإن كان قياسا ظاهرا معلوما، وكالشيء المركوز في الطباع، حتى ترى العامة فيه كالخاصة فإن فيه أمرا يجب العلم به: وهو أنه يتصور أن يبدأ هذا فيعمل ديباجا ويبدع في نقشه وتصويره، فيجيء آخر ويعمل ديباجا آخر مثله في نقشه وهيئته وجملة صفته، حتى لا يفصل الرائي بينهما، ولا يقع لمن لم يعرف القصة ولم يخبر الحال إلا أنهما صنعة رجل واحد، وخارجان من تحت يد واحدة. وهكذا الحكم في سائر المصنوعات، كالسوار يصوغه هذا، ويجيء ذاك فيعمل سوارا مثله، ويؤدي صفته كما هي2، حتى لا يغادر منها شيئا البتة.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE