Skip to content

Books to be read, not browsed

118 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 260 of 670.

118

vol. 1 · p. 261

فصل:

بيان في شأن الكناية والاستعارة والتمثيل:

الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك إذا قصدت أن تخبر عن "زيد" مثلا بالخروج على الحقيقة، فقلت: "خرج زيد"، وبالانطلاق عن "عمرو" فقلت: "عمرو منطلق"، وعلى هذا القياس. وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض. ومدار هذا الأمر على "الكناية" و"الاستعارة" و"التمثيل"، وقد مضت الأمثلة فيها مشروحة مستقصاة1. أو لا ترى أنك إذا قلت: "هو كثير رماد القدر"، أو قلت: "طويل النجاد"، أو قلت في المرأة: "نؤوم الضحى"، فإنك في جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن نيدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى، على سبيل الاستدلال، معنى ثانيا هو غرضك، كمعرفتك من "كثير رماد القدر" أنه مضياف، ومن "طويل النجاد" أنه طويل القامة، ومن "نؤوم الضحى" في المرأة أنها مترفة مخدومة، لها من يكفيها أمرها.

وكذا إذا قال: "رأيت أسدا"، ودلك الحال على أنه لم يرد السبع، علمت أنه أراد التشبيه، إلا أنه بالغ فجعل الذي رآه بحيث لا يتميز عن الأسد في شجاعته.

119

vol. 1 · p. 262

وكذلك تعلم من قوله: "بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى"، أنه أراد التردد في أمر البيعة واختلاف العزم في الفعل وتركه، على ما مضى الشرح فيه1.

بيان في شرح قوله: "المعنى"، و"معنى المعنى" وهو فصل جيد:

وإذ قد عرفت هذه الجملة، فههنا عبارة مختصرة وهي أن تقول: "المعنى"، و "معنى المعنى"، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة و"بمعنى المعنى"، أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر، كالذي فسرت لك.

وإذ قد عرفت ذلك، فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة للمعاني وحلية عليها أو يجعلون المعاني كالجواري، والألفاظ كالمعارض لها2، وكالوشي المحبر واللباس الفاخر والكسوة الرائقة، إلى أشباه ذلك مما يفخمون به أمر اللفظ، ويجعلون المعنى ينبل به ويشرف3 فاعلم أنهم يضعون كلاما قد أعطاك المتكلم أغراضه فيه من طريق معنى المعنى4، فكنى وعرض، ومثل واستعار، ثم أحسن في ذلك كله وأصاب، ووضع كل شيء منه في موضعه، وأصاب به شاكلته، وعمد فيما كنى به وشبه ومثل، لما حسن مأخذه، ودق مسلكه، ولطفت إشارته، وأن المعرض وما في معناه، ليس في اللفظ المنطوق به، ولكن معنى اللفظ الذي دللت به على المعنى الثاني، كمعنى قوله:

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE