121
vol. 1 · p. 267
أبين إشارة، حتى يخيل إليك أنك فهمته من حاق اللفظ، وذلك لقلة الكلفة فيه عليك، وسرعة وصوله إليك، فكان من "الكناية" مثل قوله:
لا أمتع العوذ بالفصال، ولا ... أبتاع إلا قريبة الأجل1
ومن "الاستعارة" مثل قوله:
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب2
ومن "التمثيل" مثل قوله:
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره3
وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا4، فكان منقوص القوة في تأدية ما أريد منه، لأنه يعترضه ما يمنعه أن يقضي حق السفارة فيما بينك وبين معناك، ويوضح تمام الإيضاح عن مغزاك، فانظر إلى قول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا5
vol. 1 · p. 268
بدأ فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد، فأحسن وأصاب، لأن من شأن البكاء أبدا أن يكون أمارة للحزن، وأن يجعل دلالة عليه وكناية عنه، كقولهم: "أبكاني وأضحكني"، على معنى "ساءني وسرني"، وكما قال:
أبكاني الدهر، ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي1
ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقي من السرور بقوله: "لتجمدا"، وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة والسلامة من الحزن ونظر إلى أن الجمود خلو العين من البكاء وانتفاء الدموع عنها، وأنه إذا قال "لتجمدا"، فكأنه قال: "أحزن اليوم لئلا أحزن غدا، وتبكي عيناي جهدهما لئلا تبكيا أبدا" وغلط فيما ظن، وذاك أن الجمود هو أن لا تبكي العين، ويستراب في أن لا تبكي2، ولذلك لا ترى أحدا يذكر عينه بالجمود إلا وهو يشكوها ويذمها وينسبها إلى البخل، ويعد امتناعها من البكاء تركا لمعونة صاحبها على ما به من الهم، ألا ترى إلى قوله:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود3