125
vol. 1 · p. 272
بكرا فالنجاح في التبكير
كان أحسن. فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت: إن ذاك النجاح في التبكير، كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت: "بكرا فالنجاح"، كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذاك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبل بين عينيه"1، فهل كان هذا القول من خلف والنقد على بشار، إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟
"إن"، تغني غناء "الفاء"، في ربط الجملة بما قبلها:
واعلم أن من شأن "إن" إذا جاءت على هذا الوجه، أن تغني غناء "الفاء" العاطفة مثلا، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا. فأنت ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف، ومقطوعا موصولا معا. أفلا ترى أنك لو أسقطت "إن" من قوله: "إن ذاك النجاح في التبكير"، لم تر الكلام يلتئم، ولرأيت الجملة الثانية لا تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيلي، حتى تجيء بالفاء فتقول: "بكرا صاحبي قبل الهجير، فذاك النجاح في التبكير" ومثله قوله بعض العرب:
فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء2
فانظر إلى قوله: "إن غناء الإبل الحداء"، وإلى ملاءمته الكلام قبله، وحسن تشبثه به، وإلى حسن تعطف الكلام الأول عليه. ثم انظر إذا تركت
126
vol. 1 · p. 273
"إن" فقلت: "فغنها وهي لك الفداء، غناء الإبل الحداء"، كيف تكون الصورة؟ وكيف ينبو أحد الكلامين عن الآخر؟ وكيف يشئم هذا ويعرق ذلك؟ حتى لا تجد حيلة في ائتلافهما حتى تجتلب لهما "الفاء" فتقول: "فغنها وهي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء"، ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان، وأن قد ذهبت الأنسة التي كنت تجد، والحسن الذي كنت ترى.
فصل في "كاد"، وتفسير قولهم: "لم يكد يفعل":
وروي عن [عنبسة] أنه قال: قدم ذو الرمة الكوفة فوقف ينشد الناس بالكناسة قصيدته الحائية التي منها1:
هي البرء، والأسقام، والهم، والمنى، ... وموت الهوى في القلب مني المبرح
وكان الهوى بالنأي يمحى فيمحي، ... وحبك عندي يستجد ويربح
إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
قال: فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة: يا غيلان، أراه قد برح! قال: فشنق ناقته وجعل يتأخر بها ويفكر2، ثم قال:
إذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح