Skip to content

Books to be read, not browsed

137 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 293 of 670.

137

vol. 1 · p. 294

همي"، كما لم يكن الحال في قولك: "رأيت أسدا"، كالحال في "رأيت رجلا كالأسد". ومن الذي يخفى عليه مكان العلو وموضع المزية وصورة الفرقان بين قوله تعالى {فما ربحت تجارتهم}، وبين أن يقال: "فما ربحوا في تجارتهم؟ ".

وإن أردت أن تزداد للأمر تبينا، فانظر إلى بيت الفرزدق:

يحمي إذا اخترط السيوف نساءنا ... ضرب تطير له السواعد أرعل1

وإلى رونقه ومائه، وإلى ما عليه من الطلاوة. ثم ارجع إلى الذي هو الحقيقة وقل: "نحمي إذا اخترط السيوف نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل"، ثم اسبر حالك؟ هل ترى مما كنت تراه شيئا؟

وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان، وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا، وأن يضعه بعيد المرام، قريبا من الأفهام. ولا يغرنك من أمره أنك ترى الرجل يقول: "أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان"، وأشباه ذلك مما تجده لسعته وشهرته يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها، فليس هو كذلك أبدا، بل يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها، والنادرة تأنق لها.

ت. محمود محمد شاكر أبو فهر — مطبعة المدني بالقاهرة - دار المدني بجدة — الثالثة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م