156
vol. 1 · p. 325
هو: كما لا يخفى، كلام مع من لا يرى أن الأمر كما قال، بل ينكره ويعتقد خلافه. ومعلوم أنه لم يقله إلا والمرأة تحدوه وتبعثه على التعرض للناس، وعلى الطلب.
"إن"، ومجيئها في التهكم، وشرطها إذا كانت في جواب سائل:
ومن لطيف مواقعها أن يدعى على المخاطب ظن لم يظنه، ولكن يراد التهكم به، وأن يقال: "إن حالك والذي صنعت يقتضي أن تكون قد ظننت ذلك". ومثال ذلك الأول:
جاء شقيق عارضا محه، ... إن بني عمك فيهم رماح1
يقول: إن مجيئه هكذا مدلا بنفسه وبشجاعته قد وضع رمحه عرضا، دليل على إعجاب شديد، وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم لهأحد، حتى كأن ليس مع أحد منا رمح يدفعه به، وكأنا كلنا عزل.
وإذا كان كذلك، وجب إذا قيل أنها جواب سائل، أن يشترط فيه أن يكون للسائل ظن في المسئول عنه على خلاف ما أنت تجيبه به. فأما أن يجعل مجرد الجواب أصلا فيه فلا، لأنه يؤدي إلى أن لا يستقيم لنا إذا قال الرجل: "كيف زيد؟ " أن تقول: "صالح"، وإذا قال: "أين هو؟ " أن تقول: "في الدار" وأن لا يصح حتى تقول: "إنه صالح"، "وإنه في الدار"، وذلك ما لا يقوله أحد.
157
vol. 1 · p. 326
وأما جعلها إذا جمع بينها وبين "اللام" نحو: "إن عبد الله لقائم" للكلام مع المنكر، فجيد، لأنه إذا كان الكلام مع المنكر، كانت الحاجة إلى التأكيد أشد. وذلك أنك أحوج ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خيرك، إذا كان هناك من يدفعه وينكر صحته، إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه كما يكون للإنكار قد كان من السامع، فإنه يكون للإنكار يعلم أو يرى أن يكون من السامعين. وجلمة الأمر أنك لا تقول: "إنه لكذلك"، حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يزغ فيه عن الإنكار1.
"إن" تدخل للدلالة على أن ظنك الذي ظننت مردود:
واعلم أنها قد تدخل للدلالة على أن الظن قد كان منك أيها المتكلم في الذي كان أنه لا يكون. وذلك قولك للشيء هو بمرأى من المخاطب ومسمع: "إنه كان من الأمر ما ترى، وكان مني إلى فلان إحسان ومعروف، ثم إنه جعل جزائي ما رأيت"، فتجعلك كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت، وتبين الخطأ الذي توهمت. وعلى ذلك، والله أعلم، قوله تعالى حكاية عن أم مريم رضي الله عنهما: {قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت} [آل عمران: 36]، وكذلك قوله عز وجل حكاية عن نوح عليه السلام: {قال رب إن قومي كذبون} [الشعراء: 117]، وليس الذي يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق والأمور الخفية، بالشيء يدرك بالهوينا. ونحن نقتصر الآن على ما ذكرنا، ونأخذ في القول عليها إذا اتصلت بها "ما".