9
vol. 1 · p. 45
إضافة "الماء" إلى "الكاف"، دون أن يقال: "ابلعي ماءك"1، ثم أن أتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها، نداء السماء وأمرها كذلك، بما يخصها، ثم أن قيل: و {وغيض الماء}، فجاء الفعل على صيغة "فعل" الدالة على أنه لم يغض إلا بأمر آمر وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقريره بقوله تعالى: {وقضي الأمر}، ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور، وهو: {استوت على الجودي}، ثم إضمار "السفينة" قبل الذكر، كما هو شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن، ثم مقابلة "قيل" في الخاتمة "بقيل" في الفاتحة؟ أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملوك بالإعجاز روعة2، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها3 تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق؟ أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب؟
فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا، أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الفضيلة وخلاقها، في ملائمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها4، وما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظ.
اللفظ الواحد يقع مقبولا، ومكروها:
ومما يشهد لذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر، كلفظ "الأخدع" في بيت الحماسة:
10
vol. 1 · p. 46
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا1
وبيت البحترى:
وإني وإن بلغني شرف الغنى ... وأعتقت من رق المطامع أخدعي2
فإن لها في هذين المكانين ما لا يخفى من الحسن، ثم إنك تتأملها في بيت أبي تمام:
يا دهر قوم من اخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك3
فتجد لها من الثقل على النفس، ومن التبغيص والتكدير، أضعاف ما وجدت هناك من الروح والخفة، ومن الإيناس والبهجة.
ومن أعجب ذلك لفظة "الشيء"، فإنك تراها مقبولة حسنة في موضع، وضعيفة مستكرهة في موضع. وإن أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالذمي4
وقوله أبي حية: