232
vol. 1 · p. 445
إن معنى: "كثير رماد القدر"، يدل على معنى تفسيره الذي هو "كثير القرى"، لأمرين:
أحدهما: أنك لا تفسر طالشرجب" حتى يكون معناه مجهولا عند السامع، ومحال أن يكون للمجهول دلالة.
والثاني: أن المعنى في تفسيرنا "الشرجب" بالطويل، أن تعلم السامع أن معناه هو معنى الطويل بعينه. وإذا كان كذلك، كان محالا أن يقال: إن معناه يدل على معنى الطويل، بل الذي يعقل أن يقال: إن معناه هو معنى الطويل. فاعرف ذلك.
وانظر إلى لعب الغفلة بالقوم، وإلى ما رأوا في منامهم من الأحلام الكاذبة! ولو أنهم تركوا الاستنامة إلى التقليد، والأخذ بالهوينا، وترك النظر، وأشعروا قلوبهم أن ههنا كلاما ينبغي أن يصغى إليه1 لعلموا، ولعاد إعجابهم بأنفسهم في سؤالهم هذا وفي سائر أقوالهم، عجبا منها ومن تطويج الظنون بها.
الوجوه التي تكون للكلام مزية:
وإذا قد بان سقوط ما اعترض به القوم وفحش غلطهم، فينبغي أن تعلم أن ليست المزايا التي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تحسها2 في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها، ولكنها في طريق إثباته لها، وتقريره إياها، وأنك إذا سمعتهم يقولون: "إن من
vol. 1 · p. 446
شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني مزية وفضلا، وتوجب لها شرفا ونبلا، وأن تفحمها في نفوس السامعين"1 فإنهم لا يعنون أنفس المعاني، كالتي يقصد المتكلم بخبره إليها، كالقرى والشجاعة والتردد في الرأي، وإنما يعنون إثباتها لما تثبت له ويخبر بها عنه. فغا جعلوا للكناية مزية على التصريح، لم يجعلوا تلك المزية في المعنى المكنى عنه، ولكن في إثباته للذي يثبت له، وذلك أنا نعلم أن المعاني التي يقصد الخبر بها لا تتغير في أنفسها بأن يكنى عنها بمعان سواها، ويترك أن تذكر بالألفاظ التي هي لها في اللغة. ومن هذا الذي يشك أن معنى طول القامة وكثرة القرى لا يتغيران بأن يكنى عنهما بطول النجاد وكثرة رماد القدر، وتقدير التغير فيهما يؤدي إلى أن لا تكون الكناية عنهما، ولكن عن غيرهما؟ 2.
وقد ذكرت هذا في صدر الكتاب3، وذكرت أن السبب في أن كان يكون للإثبات إذا كان من طريق "الكناية" مزية لا تكون إذا كان من طريق التصريح4، أنك إذا كنيت عن كثرة القرى بكثرة رماد القدر، كنت قد أثبت كثرة القرى بإثبات شاهدها ودليلها، وما هو علم على وجودها، وذلك