Skip to content

Books to be read, not browsed

276 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 522 of 670.

276

vol. 1 · p. 524

بسم الله الرحمن الرحيم

"النظم"، هو توخي معاني النحو، وهو معدن البلاغة:

ما أظن بك أيها القارئ لكتابنا، إن كنت وفيته حقه من النظر، وتدبرته حق التدبر، إلا أنك قد علمت علما أبى أن يكون للشك فيه نصيب، وللوقف نحوك مذهب، أن ليس "النظم" شيئا إلا توخي معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه فيما بين معاني الكلم1 وأنك قد تبينت أنه إذا رفع معاني النحو وأحكامه مما بين الكلم حتى لا تراد فيها في جملة ولا تفصيل، خرجت الكلم المنطوق ببعضها في أثر بعض في البيت من الشعر والفصل من النثر2، عن أن يكون لكونها في مواضعها التي وضعت فيها موجب ومقتض3، وعن أن يتصور أن يقال في كلمة منها إنها مرتبطة بصاحبة لها، ومتعلقة بها، وكائنة بسبب منها4 وإن حسن تصورك لذلك، قد ثبت فيك قدمك، وملأ من الثقة نفسك، وباعدك من أن تحن إلى الذي كنت عليه، وأن يجرك الإلف والاعتياد إليه وأنك جعلت ما قلناه نقشا في صدرك، وأثبته في سويداء قلبك، وصادقت بينه وبين نفسك. فإن كان الأمر كما ظنناه. رجونا أن يصادف الذي نريد أن نستأنفه بعون الله تعالى منك نية حسنة تقيك الملل5، ورغبة صادقة تدفع

277

vol. 1 · p. 525

عنك السأم، وأريحية يخف معها عليك تعب الفكر وكد النظر، والله تعالى ولي توفيقك وتوفيقنا بمنه وفضله. ونبدأ فنقول:

فإذا ثبت الآن أن لا شك ولا مرية في أن ليس "النظم" شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن، إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه1، وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها2، غار نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلم لها إلى الخدع، وأنه إن أبى أن يكون فيها، كان قد أبى أن يكون القرآن معجزا بنظمه، ولزمه أن يثبت شيئا آخر يكون معجزابه، وأن يلحق بأصحاب "الصرفة" فيدفع الإعجاز من أصله3، وهذا تقرير لا يدفعه إلا معاند يعد الرجوع عن باطل قد اعتقده عجزا، والثبات عليه من بعد لزوم الحجة جلدا4، ومن وضعه نفسه في هذه المنزلة، كان قد باعدها من الإنسانية. ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.

"الخبر"، أصل في معاني الكلام، في النفي والإثبات:

وهذه أصول يحتاج إلى معرفتها قبل الذي عمدنا له.

اعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا فيما بين شيئين، والأصل

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE