باب اللفظ والنظم
vol. 1 · p. 540
لتلك المعاني1، وكونها مرادة بها. أفلا ترى إلى قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} [البقرة: 31]، أفترى أنه قيل لهم: {أنبئوني بأسماء هؤلاء}، وهم لا يعرفون المشار إليهم بهؤلاء؟
وإذ قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أن معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا فيما بين شيئين، والأصل والأول هو "الخبر"، وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه عرفته في الجميع. ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس، أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه، لأنه ينقسم إلى "إثبات" و "نفي"، و "الإثبات" يقتضي مثبتا ومثبتا له، و "النفي" يقتضي منفيا ومنفيا عنه. فلو حاولت أن تتصور إثبات معنى او نفيه، من غير أن يكون هناك مثبت له ومنفي عنه، حاولت ما لا يصح في عقل، ولا يقع في وهم. من أجل ذلك امته أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء2، وكنت إذا قلت: "ضرب"، لم تستطيع أن تريد منه معنى في نفسك، من غير أن تريد الخبر به عن شيء مظهر أو مقدر، وكان لفظك به، إذا أنت لم ترد ذلك، وصوتا تصوته، سواء3.
وإن أردت أن يستحكم معرفة ذلك في نفسك، فانظر إليك إذا قيل لك: "ما فعل زيد"؟ فقلت: "خرج"، هل يتصور أن يقع في خلدك من
286
vol. 1 · p. 541
"خرج" معنى من دون أن تنوي فيه ضمير "زيد"؟ 1 وهل تكون إن أنت زعمت أنك لم تنو ذلك إلا مخرجا نفسك إلى الهذيان؟ 2 وكذلك فانظر إذا قيل لك: "كيف زيد"؟، فقلت: "صالح": هل يكون لقولك: "صالح" أثر في نفسك من دون أن تريد "هو صالح"3؟ أم هل يعقل السامع شيئا إن هو لم يعتقد ذلك؟ 4.
إذا ثبت ذلك5، فإنه مالا يبقى معه لعاقل شك6، أن الخبر معنى لا يتصور إلا بين شيئين يكون أحدهما مثبتا، والآخر مثبتا له، أو يكون أحدهما منفييا، والآخر منفيا عنه وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له، ومنفي من دون منفي عنه. فلما كان الأمر كذلك، أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل واسم7، كقولنا: "خرج زيد"، أو اسم واسم، كقولنا: "زيد منطلق". فليس في الدنيا خبر يعرف من غير هذا السبيل، وبغير هذا الدليل، وهو شيء يعرفه العقلاء في كل جبل وأمة، وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة8.