Skip to content

Books to be read, not browsed

292 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 548 of 670.

292

vol. 1 · p. 550

وبينه، وأخذ به إلى حيث أنت، وصرف ناظره إلى الجهة التي إليها أومأت، فاستبدل بالنفار أنسا، وأراك من بعد الإباء قبولا.

ولم يكن الأمر على هذه الجملة إلا لأنه ليس في أصناف العلوم الخفية، والأمور الغامضة الدقيقة، أعجب طريقا في الخفاء من هذا. وإنك لتتعب في الشيء نفسك، وتكد فيه فكرك، وتجهد فيه كل جهدك، حتى إذا قلت قد قتلته علما، وأحكمته فهما، كنت بالذيلا يزال يتراءى لك فيه من شبهة، ويعرض فيه من شك1، كما قال أبو نواس:

ألا لا أرى مثل امترائي في رسم ... تغص به عيني ويلظفه وهمي

أنت صور الأشياء بيني وبينه ... فظني كلا ظن، وعلمي كلا علم2

وإنك لتنظر في البيت دهرا طويلا وتفسره، ولا ترى أنه فيه شيئا لم تعلمه، ثم يبدو لك فيه أمر خفي لم تكن قد علمته، مثال ذلك بيت المتنبي:

خطأ خفي في "النظم":

عجبا له! حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها3

مضى الدهر الطويل ونحن نقرؤه فلا ننكر منه شيئا، ولا يقع لنا أن فيه خطأ، ثم بان بأخرة أنه قد أخطأ. وذلك أنه كان ينبغي أن يقول: "ما حفظ الأشياء من عادتها"، فيضيف المصدر إلى المفعول، فلا يذكر الفاعل، ذاك لأن المعنى على

293

vol. 1 · p. 551

أنه ينفي الحفظ عن أنامله جملة، وأنه يزعم أنه لا يكون منها أصلا، وإضافته الحفظ إلى ضميرها في قوله: "ما حفظها الأشياء"، يقتضي أن يكون قد أثبت لها حفظا1. ونظير هذا أنك تقول: "ليس الخروج في مثل هذا الوقت من عادي"، ولا تقول: "ليس خروجي في مثل هذا الوقت من عادتي"، وكذلك تقول: "ليس ذم الناس من شأني"، ولا تقول: "ليس ذمي الناس من شأني"، لأن ذلك يوجب إثبات الذم ووجوده منك. ولا يصح قياس المصدر في هذا على الفعل، أعني أنه لا ينبغي أن يظن أنه كما يجوز أن يقال: "ما من عادتها أن تحفظ الأشياء"، كذلك ينبغي أن يجوز: "ما من عادتها حفظها الأشياء"، ذاك أن إضافة المضدر إلى الفاعل يقتضي وجوده، وأنه قد كان منه، يبين ذلك أنك تقول: "أمرت زيدا بأن يخرج غدا"، ولا تقول: "أمرته بخروجه غدا".

ومما فيه خطأ هو في غاية الخفاء قوله:

ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الخريج إلى الغربان والرخم2

وذلك أنك إذا قلت: "لا تضجر ضجر زيد"، كانت قد جعلت زيدا يضجر ضربا من الضجر، مثل أن تجعله يفرط فيه أو يسرع إليه. هذا هو موجب العرف. ثم إن لم تعتبر خصوصا وصف، فلا أقل من أن تجعل الضجر على الجملة من عادته، وأن تجعله قد كان منه. وإذا كان كذلك، اقتضى قوله:

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE