27
vol. 1 · p. 86
فصل: [في أن هذه المزايا في النظم، بحسب المعاني والأغراض التي تؤم] 1
بيان محاسن النظم:
وإذ قد عرفت أن مدار أمر "النظم" على معاني النحو، وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لهال ازديادا بعدها ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها، ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام، ثم بحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض.
تفسير هذا: أنه ليس إذا راقك التنكير في "سؤدد" من قوله: "تنقل في خلقي سؤدد"2 وفي "دهر" من قوله: "فلو إذ نبا دهر"3، فإنه يجب أن يروقك أبدا وفي كل شيء ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله "وأنكر صاحب"3، فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته مثل استحسانك ههنا بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع، وبحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤم. وإنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور والنقوش، فكما أنك ترى الرجل قد تهدى في الأصباغ التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه الذي نسج، إلى ضرب من التخير
vol. 1 · p. 87
والتدبر في أنفس الأصباغ وفي مواقعها ومقاديرها وكيفية مزجه لها وترتيبه إياها، إلى ما لم يتهد إليه صاحبه1، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، كذلك حال الشاعر والشاعر في توخيهما معاني النحو ووجوهه التي علمت أنها محصول "النظم".
صفة "النظم":
واعلم أن من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن، كالآجزاء من الصبغ تتلاحق وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تكبر شأن صاحبه، ولا تقضي له بالحذق والاستاذية وسعة الذرع وشدة المنة2، حتى تستوفي القطعة وتأتي على عدة أبيات. وذلك ما كان من الشعر في طبقة ما أنشدتك من أبيات البحتري3 ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة4 حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل، وموضعه من الحذق، وتشهد له بفضل المنة وطول الباع، وحتى تعلم، إن لم تعلم القائل، أنه من قبل شاعر فحل5، وأنه خرج من تحت يد صناع، وذلك ما إذا أنشدته وضعت فيه اليد على شيء فقلت: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشعر