65
vol. 1 · p. 156
ومثاله قول عمرو بن معدي كرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت1
"أجرت" فعل متعد، ومعلوم أنه لو عداه لما عداه إلا إلى ضمير المتكلم نحو: "ولكن الرماح أجرتني" وأنه لا يتصور أن يكون ههنا شيء آخر يتعدى إليه، لاستحالة أن يقول:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم
ثم يقول: "ولكن الرماح أجرت غيري"، إلا أنك تجد المعنى يلزمك أن لا تنطق بهذا المفعول ولا تخرجه إلى لفظك. والسبب في ذلك أن تعديتك له توهم ما هو خلاف الغرض، وذلك أن الغرض هو أن يثبت أنه كان من الرماح إجرار وحبس الألسن عن النطق2، وأن يصحح وجود ذلك. ولو قال: "أجرتني"، جاز أن يتوهم أنه لم يعن بأن يثبت للرماح إجرارا، بل الذي عناه أن يبين أنها أجرته3. فقد يذكر الفعل كثيرا والغرض منه ذكر المفعول، مثاله أنك تقول: "أضربت زيدا؟ " وأنت لا تنكر أن يكون كان من المخاطب أو يستطيعه. فلما كان في تعدية "أجرت" ما يوهم ذلك، وقف فلم يعد البتة، ولم ينطق بالمفعول، لخلص العناية لإثبات الإجرار للرماح وتصحيح أنه كان منها، وتسلم بكليتها لذلك.
66
vol. 1 · p. 157
ومثله قول جرير:
أمنيت المنى وخلبت حتى ... تركت ضمير قلبي مستهاما
الغرض أن يثبت أنه كان منها تمنية وخلابة، وأن يقول لها: أهكذا تصنعين؟ وهذه حيلتك في فتنة الناس؟
مثال من بارع الحذف الخفي:
ومن بارع ذلك ونادره، ما تجده في هذه الأبيات. روى المرزباني في "كتاب الشعر" بإسناد، قال: لما تشاغل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأهل الردة، استبطأته الأنصار [فكلموه] 1، فقال: إما كلفتموني أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم2، فوالله ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس، ولكني والله ما أوتي من مودة لكم ولا حسن رأي فيكم3، وكيف لا نحبكم؟ فوالله ما وجدت مثلا لنا ولكم إلا ما قال طفيل الغنوي لبني جعفر بن كلاب:
جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا، ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لاقوه منا لملت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت4