138
vol. 1 · p. 297
يريد إذا كان العام عام جدب وجفت ضروع الإبل، وانقطع الدر، حتى إن حلب منها مئة لم يحصل من لبنها ما يكون غبوق غلام واحد. فالفعل الذي هو "غبق" مستعمل في نفسه على حقيقته، غير مخرج من معناه وأصله إلى معنى شيء آخر، فيكون قد دخله مجاز في نفسه، وإنما المجاز في أن أسند إلى الإبل وجعل فعلا لها، وإسناد الفعل إلى الشيء حكم في الفعل، وليس هو نفس معنى الفعل، فاعرفه.
ليس كل شيء يصلح للمجاز الحكمي بسهولة، ومثال ذلك:
واعلم أن من سبب اللطف في ذلك أنه ليس كل شيء يصلح لأن يتعاطى فيه هذا المجاز الحكمي بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر، وأنت تحتاج إلى أن تهيئ الشيء وتصلحه لذلك، بشيء تتوخاه في النظم. وإن أردت مثالا في ذلك فانظر إلى قوله:
تناس طلاب العامرية إذ نأت ... بأسجح مرقال الضحى قلق الضفر
إذا ما أحسته الأفاعي تحيزت ... شواة الأفاعي من مثلمة سمر
تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجة شرب غير ملأى ولا صفر1
يصف جملا، ويريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء، ويمكنه بها أن يخرقها ويمضي فيها، ولولاها لكانت الظلماء كالسد والحاجز الذي لا يجد شيئا
vol. 1 · p. 298
يفرجه به، ويجعل لنفسه فيه سبيلا. فأت الآن تعلم أن لولا أنه قال: "تجوب له": فعلق "له الحبوب، لما صلحت "العين" لأن يسند "تجوب" إليها، ولكان لا تتبين جهة التجوز في جعل "تجوب" فعلا للعين كما ينبغي. وكذلك تعلم أنه لو قال مثلا: "تجوب له الظلماء عينه"، لم يكن له هذا الموقع، ولاضطرب عليه معناه، وانقطع السلك من حيث كان يعيبه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به الآن1 فتأمل هذا واعتبره. فهذه التهيئة وهذا الاستعداد في هذا المجاز الحكمي، نظير أنك تراك في الاستعارة التي هي مجاز في نفس الكلمة وأنت تحتاج في الأمر الأكثر إلى أن تمهد لها وتقدم أو تؤخر ما يعلم به أنك مستعير ومشبه، ويفتح طريق المجاز إلى الكلمة.
ألا ترى إلى قوله:
وصاعقة من نصله ينكفي بها ... على أرؤس الأقران خمس سحائب2
عنى بخمس السحائب، أنامله، ولكنه لم يأت بهذه الاستعارة دفعة، ولم يرمها إليك بغتة، بل ذكر ما ينبئ عنها، ويستدل به عليها، فذكر أن هناك صاعقة، وقال: "من نصله"، فبين أن تلك الصاعقة من نصل سيفه ثم قال: "أروس الأقران"، ثم قال: "خمس"، فذكر "الخمس" التي هي عدد أنامل اليد، فبان من مجموع هذه الأمور غرضه.
وأنشدوا لبعض العرب:
فإن تعافوا العدل والإيمانا ... فإن في أيماننا نيرانا3