140
vol. 1 · p. 301
إنه في تقدير: "فإنما هي ذات إقبال وإدبار"، ذاك لأن المضاف المحذوف من نحو الآية والبيتين، في سبيل ما يحذف من اللفظ ويراد في المعنى، كمثل أن يحذف خبر المبتدإ والمبتدأ، إذا دل الدليل عليه إلى سائر ما إذا حذف كان في حكم المنطوق به.
وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء، لأنا إذا جعلنا المعنى فيه الآن كالمعنى إذا نحن قلنا: "فإنما هي ذات إقبال وإدبار"، أفسدنا الشعر على أنفسنا وخرجنا إلى شيء معسول، وإلى كلام عامي مرذول، وكان سبيلنا سبيل من يزعم مثلا في بيت المتبني:
بدت قمرا، ومالت خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا1
أنه في تقدير محذوف، وأن معناه الآن كالمعنى إذا قلت: "بدت مثل قمر، ومالت مثل خوط بان، وفاحت مثل عنبر، ورنت مثل غزال"، في أنا نخرج إلى الغثاثة، وإلى شيء يعزل البلاغة عن سلطانها، ويخفض من شأنها، ويصد أوجهنا عن محاسنها، ويسد باب المعرفة وبلطائفها علينا.
فالوجه أن يكون تقدير المضاف في هذا على المعنى أنه لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره ولم يقصد إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتساع، وأن تجعل الناقة كأنها قد صارت بجملتها إقبالا وإدبارا، حتى كأنها قد تجسمت منهما، لكان حقه حينئذ أن يجاء فيه بلفظ "الذات" فيقال: "إنما هي ذات إقبال وإدبار". فأما أن يكون الشعر الآن موضوعا على إرادة ذلك وعلى تنزيله منزلة المنطوق به حتى يكون الحال فيه كالحال في: