Skip to content

Books to be read, not browsed

171 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 347 of 670.

171

vol. 1 · p. 348

فإن قيل: فإنك إذا قلت: "ما جاءني إلا زيد"، ولم يكن غرضك أن تنفي أن يكون قد جاء معه واحد آخر، كان المجيء أيضا مجيئا واحدا.

قيل: وإن كان واحدا، فإنك إنما تثبت أن "زيدا" الفاعل له، بأن نفيت المجيء عن كل من سوى زيد1، كما تصنع إذا أردت أن تنفي أن يكون قد جاء معه جاء آخر. وإذا كان كذلك، كان ما قلناه من أنك إن جئت "بلا" العاطفة فقلت: "ما جاءني إلا زيد لا عمرو"، كنت قد نفيت الفعل عن شيء قد نفيته عنه مرة صحيحا ثابتا، كما قلناه، فاعرفه.

واعلم أن حكم "غير" في جميع ما ذكرنا، حكم "إلا". فإذا قلت: "ما جاءني غير زيد"، احتمل أن تريد نفي أن يكون قد جاء معه إنسان آخر، وأن تريد نفي أن لا يكون قد جاء، وجاء مكانه واحد آخر2 ولا يصح أن تقول: "ما جاءني غير زيد لاعمرو"، كما لم يجز: "ما جاءني إلا زيد لا عمرو".

vol. 1 · p. 349

فصل: في نكتة تتصل بالكلام الذي تضعه "بما" و "إلا"

بيان آخر في "ما" و"إلا":

إعلم أن الذي ذكرناه من أنك تقول: "ما ضرب إلا عمرو زيدا"، فتوقع الفاعل والمفعول جميعا بعد "إلا"1، ليس بأكثر الكلام، وإنما الأكثر أن تقدم المفعول على "إلا"، نحو: "ما ضرب زيدا إلا عمرو"، حتى إنهم ذهبوا فيه أعني في قولك: "ما ضرب إلا عمرو زيدا" إلى أنه على كلامين، وأن "زيدا" منصوب بفعل مضمر، حتى كأن المتكلم بذلك أيهم في أول أمره فقال: ما ضرب إلا عمرو" ثم قيل له: "من ضرب؟ " فقال: "ضرب زيدا".

وههنا، إذا تأملت، معنى لطيف يوجب ذلك، وهو أنك إذا قلت: "ما ضرب زيدا إلا عمرو"، كان غرضك أن تختص "عمرا" "بضرب" "زيد"، لا بالطرب على الإطلاق. وإذا كان كذلك، وجب أن تعدي الفعل إلى المفعول من قبل أن تذكر "عمرا" الذي هو الفاعل، لأن السامع لا يعقل عنك أنك اختصصته بالفعل معدى حتى تكون قد بدأت فعديته أعني لا يفهم عنك أنك أردت أن تختص "عمرا" بضرب "زيد"، حتى تذكره له معدى إلى "زيد"، فأما إذا ذكرته غير معدى فقلت: "ما ضرب إلا عمرو"، فإن الذي يقع في نفسه أنك أردت أن تزعم أنه لم يكن من أحد غير "عمرو" ضرب، وأنه ليس ههنا مضروب إلا وضاربه عمرو، فاعرفه أصلا في شأن التقديم والتأخير.

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE