6
vol. 1 · p. 39
نعم، فإذا كان هذا هو الذي يذكر في جواب السائل، فبنا أن ننظر: أي أشبه بالفتى في عقله ودينه، وأزيد له في علمه ويقينه1، أن يقلد في ذلك، ويحفظ من الدليل وظاهر لفظه، ولا يبحث عن تفسير المزايا والخصائص ما هي؟ ومن أين كثرت الكثرة العظيمة، واتسعت الاتساع المجاوز لوسع الخلق وطاقة البشر؟ وكيف يكون أن تظهر في ألفاظ محصورة، وكلم معدودة معلومة، بأن يوتى ببعضها في إثر بعض، لطائف لا يحصرها العدد، 2 ولا ينتهي بها الأمد؟ أم أن يبحث عن ذلك كله، ويستقصي النظر في جميعه، ويتتبعه شيئا فشيئا، ويستقصيه بابا فبابا، حتى يعرف كلا منه بشاهده ودليله، وتعلمه بتفسيره وتأويله، ويوثق بتصويره وتمثيله3، ولا يكون كمن قيل فيه:
يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا4
قد قطعت عذر المتهاون، ودللت على ما أضاع من حظه، وهديته لرشده، وصح أن لا غنى بالعاقل عن معرفة هذه الأمور، والوقوف عليها،
7
vol. 1 · p. 40
والإحاطة بها، وأن الجهة التي منها يقف1، والسبب الذي به يعرف، استقراء كلام العرب وتتبع أشعارهم والنظر فيها. وإذا قد ثبت ذلك، فينبغي لنا أن نبتدئ في بيان ما أردنا بيانه، ونأخذ في شرحه والكشف عنه.
استحسان الكلام كيف يكون:
وجملة ما أردت أن أبينه لك: أنه لا بد لكل كلام تستحسنه، ولفظ تستجيده، من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة وعلة معقولة وأن يكون لنا إلى العبارة عن ذاك سبيل، وعلى صحة ما أدعيناه من ذلك دليل.
وهو باب من العلم إذا أنت فتحته اطلعت منه على فوائد جليلة، ومعان شريفة، ورأيت له أثرا في الدين عظيما وفائدة جسيمة، ووجدته سببا إلى حسم كثير من الفساد فيما يعود إلى التنزيل وإصلاح أنواع من الخلل فيما يتعلق بالتاويل، وإن ليومنك من أن تغالط في دعواك، وتدافع عن مغزاك2 ويربأ بك عن أن تستبين هدى ثم لا تهدي إليه3، وتدل بعرفان ثم لا تستطيع أن تدل عليه4 وأن تكون عالما في ظاهر مقلد5، ومستبينا في صورة شاك وأن يسألك السائل عن حجة يلقى بها الخصم في آية من كتاب الله تعالى