Skip to content

Books to be read, not browsed

194 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 382 of 670.

194

vol. 1 · p. 383

مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} [النساء: 171]. وإذا كان الخطاب للنصارى، كان تقدير الحكاية محالا، ف "لا تقولوا" إذن في معنى: "لا تعتقدوا"، وإذا كان في معنى الاعتقاد، لزم إذا قدر "ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة"، ما قلنا إنه يلزم من إثبات الآلهة. وذلك لأن الاعتقاد يتعلق بالخبر لا بالمخبر عنه. فإذا قلت: "لا تعتقد أن الأمراء ثلاثة"، كنت نهيته عن أن يعتقد كون الأمراء على هذه العدة، لا عن أن يعتقد أن ههنا أمراء. هذا ما لا يشك فيه عاقل. وإنما يكون النهي عن ذلك إذا قلت: "لا تعتقد أن ههنا أمراء"، لأنك حينئذ تصير كأنك قلت: لا تعتقد وجود أمراء.

هذا، ولو كان الخطاب مع المؤمنين، لكان تقدير الحكاية لا يصح أيضا. ذلك لأنه لا يجوز أن يقال: "إن المؤمنين نهوا عن أن يحكموا عن النصارى مقالتهم، ويخبروا عنهم بأنهم يقولون كيت وكيت"، كيف؟ وقد قال الله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30] ومن أين يصح النهي عن حكاية قول المبطل، وفي ترك حكايته ترك له وكفره، وامتناع من النعي عليه، والإنكار لقوله، والاحتجاج عليه، وإقامة الدليل على بطلانه، لأنه لا سبيل إلى شيء من ذلك إلا من بعد حكاية القول والإفصاح به، فاعرفه.

الفروق في الخبر: القصر في التعريف

vol. 1 · p. 384

بسم الله الرحمن الرحيم

قد أردنا أن نستأنف تقريرا نزيد به الناس تبصيرا أنهم في عمياء من أمرهم حتى يسلكوا المسلك الذي سلكناه، ويفرغوا خواطرهم لتأمل ما استخرجناه وأنهم، ما لم يأخذوا أنفسهم بذلك، ولم يجردوا عناياتهم له1 في غرور، كمن يعد نفسه الري من السراب اللامع، ويخادعها بأكاذيب المطامع.

بيان في معنى "التحدي"، وأي شيء طولبوا أن يأتوا به؟ وهو مهم:

يقال لهم: إنكم تتلون قول الله تعالى: {قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} [هود: 13]، وقوله: {بسورة من مثله} [البقرة: 23]، فقولوا الآن: أيجوز أن يكون تعالى قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتحدى العرب إلى أن يعارضوا القرآن بمثله، من غير أن يكونوا قد عرفوا الوصف الذي إذا أتوا بكلام على ذلك الوصف، كانوا قد أتوا بمثله؟

ولا بد من "لا"، لأنهم إن قالوا: "يجوز"، أبطلوا التحدي، من حيث إن التحدي -كما لا يخفى- مطالبة بأن يأتوا بكلام على وصف، ولا تصح المطالبة بالإتيان به على وصف من غير أن يكون ذلك الوصف معلوما للمطالب2 ويبطل بذلك دعوى الإعجاز أيضا؛ وذلك لأنه لا يتصور أن

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE