236
vol. 1 · p. 454
المعاني ويرتبها في نفسه على ما أعلمناك، ثم تفتشه فتراه لا يعرف الأمر بحقيقته، وتراه ينظر إلى حال السامع، فإذا رأى المعاني لا تقع مرتبة في نفسه إلا من بعد أن تقع الألفاظ مرتبة في سمعه، نسي حال نفسه، واعتبر حال من يمسع منه1. وسبب ذلك قصر الهمة، وضعف العناية، وترك النظر، والأنس بالتقليد. وما يغني وضوح الدلالة مع من لا ينظر فيها، وإن الصبح لملأ الأفق، ثم لا يراه النائم ومن قد أطبق جفنه؟
كلام العلماء في الفصاحة أكثره كالرمز والتعريض دون التصريح:
واعلم أنك لا ترى في الدنيا علما قد جرى الأمر فيه بديئا وأخيرا على ما جرى عليه في "علم الفصاحة والبيان".
اما البدئ، فهو أنك لا ترى نوعا من أنواع العلوم إلا وإذا تأملت كلام الأولين الذي علموا الناس، وجدت العبارة فيه أكثر من الإشارة، والتصريح أغلب من التلويج. والأمر في "علم الفصاحة" بالضد من هذا.
فإنك إذا قرأت ما قاله العلماء فيه، وجدت جله أو كله رمزا ووحيا، وكناية وتعريضا، وإيماء إلى الغرض من وجه لا يفطن له إلا من غلغل الفكر وأدق النظر، ومن يرجع من طبعه إلى ألمعية يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفي، حتى كان بسلا حراما أن تتجلى معانيهم سافرة الأوجه لا نقاب لها2، وبادية الصفحة لا حجاب دونها، وحتى كأن الإفصاح بها حرام، وذكرها إلا على سبيل الكناية والتعريض غير سائغ.