294
vol. 1 · p. 553
فقلت: لم ترك الأستاذ هذا البيت؟ فقال: لعل القلم تجاوزه؟ قال: "ثم رآني من بعد فاعتذر بعذر كان شرا من تركه. قال: إنما تركته لأنه أعاد السيف أربع مرات. قال الصاحب: لو لم يعده أربع مرات فقال:"بجهل كجهل السيف وهو منتضى، حلم كحلم السيف وهو مغمد"، لفسد البيت".
والأمر كما قال الصاحب، والسبب في ذلك أنك إذا حدثت عن اسم مضاف، ثم أردت أن تذكر المضاف إليه، فإن البلاغة تقتضي أن تذكره باسمه الظاهر ولا تضمره.
تفسير هذا أن الذي هو الحسن الجميل أن تقول: "جاءني غلام زيد وزيد"، ويقبح أن تقول: "جاءني غلام زيد وهو"، ومن الشاهد في ذلك قول دعيل:
أضياف عمران في خصب وفي سعة ... وفي حباء وخير غير ممنوع
وضيف عمرو وعمرو يسهران معا ... عمرو لبطنته والضيف للجوع1
وقول لآخر:
وإن طرة راقتك فانظر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر2
295
vol. 1 · p. 555
وقول المنتبى:
بمن نضرب الأمثال أم من نفيسه ... إليك وأهل الدهر دونك والدهر1
ليس بخفي على من له ذوق أنه لو أتى موضع الظاهر في ذلك كله بالضمير فقيل: "وضيف عمرو وهو يسهران معا"، و "ربما أمر مذاق العود وهو أخضر"، و "أهل الدهر دونك وهو"، لعدم حسن ومزية لا خفاء بأمرهما، ليس لأن الشعر ينكسر، ولكن تنكره النفس.
وقد يرى في بادئ الرأي أن ذلك من أجل اللبس، وأنك إذا قلت: "جاءني غلام زيد وهو"، كان الذي يقع في نفس السامع أن الضمير للغلام، وأنك على أن تجيء له بخبر، إلا أنه لا يستمر، من حيث إنا نقول: "جاءني غلمان زيد وهو"، فتجد الاستنكار ونبو النفس، مع أن لا لبس مثل الذي وجدناه. وإذا كان كذلك، وجب أن يكون السبب غير ذلك.
والذي يوجبه التأمل أن يرد إلى الأصل الذي ذكره الجاحظ: من أن سائلا سأل عن قول قيس بن خارجة: "عندي قرى كل نازل، ورضى كل ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل، وأنهى فيها عن التقاطع"، فقال: أليس الأمر بالصلة هو النهي عن التقاطع؟ قال فقال أبو يعقوب: أما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف"، 2 وذكرت هناك أن هذا الذي ذكر، من أن للتصريح عملا لا يكون