مثل الراغب في الدنيا
vol. 1 · p. 293
وبهائه وسبى قلبه بهجته فالناظرون إلى زينة الأعمال أحق أن تسبي منهم قلوبهم بزينتها وبهائها وبهجتها
قال له قائل ما زينة الأعمال
قال زينتها في لبقها فمن احتظى من اللبق زينها فزينة الثياب إنما ازدادت باجتماع الألوان المنسوجة بعضها ببعض فإذا تلونت على العيون على اختلاف ألوانها ونقوشها التذت بتأليفها فزينة الأعمال في لبقها فمن احتظى من اللبق رأى زينتها
قال له قائل ضربت المثل بشيء فأفهمنا به فبين لنا نوعا من ذلك نفهم
قال فانظر إلى الصلاة فإنما هي قيام ثم انتصاب ثم تكبير ثم وقوف ثم ثناء ثم تلاوة ثم ركوع ثم سجود ثم جثو ثم ارتغاب ثم تسليم فهذه أفعال مختلفة وأقوال متباينة ولكل فعل زينة ولكل زينة بهاء وبهاؤه من أصله الذي منه بدأ وإليه يعود
فإذا اجتمعت هذه الأنواع على التفاوت بعضها في بعض تلونت 91 وازدانت والتذت القلوب بتلك الأفعال والأقوال ثم المتلذون بها على درجاتهم في الترائي فطائفة منهم تلحظ في
مثل القلب والنفس
vol. 1 · p. 294
أعمالهم إلى حركاتهم فيها على الخضوع والذلة يتذللون لمليكهم بتلك الحركات عبودة وأسرا
وطائفة تلحظ إلى حركاتهم فيها إلى فرح الله بفعل العبيد فهم يتقلبون ويتصرفون فيها التذاذا بفرح الله تعالى ومسراته بتلك الأفعال وقوله لعيسى عليه السلام يا عيسى تحر مسرتي وهو قوله صلى الله عليه وسلم ( لله أفرح بتوبة العبد من أن يضل أحدكم راحلته في أرض فلاة عليها زاده ومتاعه فيضرب يمينا وشمالا فلا يجد فيقول في نفسه أرجع إلى ذلك الموضع فأموت فيه فوطن نفسه على ذلك فإذا رجع إلى ذلك الموضع وجد راحلته قائمة هناك عليها زاده وشرابه ومتاعه )
وكذلك الصوم إنما هو دعوة القلب النفس إلى ترك الشهوات ليومه الذي يريد أن يصبح فيه والنفس تتثاقل وتنفر عن ذلك النفرة التي تنفر وتتثاقل عن تركها حتى إذا أجابت القلب إلى ذلك ارتحل القلب إلى الله تعالى بانقياد النفس له ومتابعتها إياه وقبول القلب من الله تعالى ذلك الترك والكف عن الشهوات من الطعام والشراب والنساء والحفظ للسمع والبصر واللسان عما لا يحل ثم إلى النفس عازما فذاك الارتجاع زينة عمله في العزيمة عند الرجوع إلى النفس وقبوله من الله تعالى فجاء بذلك القبول فأحاط بالنفس فتلك