مثل من يعظ القلوب الخربة
vol. 1 · p. 306
الذي لا يجد بدا أو كالذي يجر برجليه على موائد النعم وبساتين النزهة كما تجر جيف الميتة لترمى ولا يجد طعم ما حل بالموائد ولا يشم رياحين البساتين ولا يلتذ بنزهتها
ومن خلص من رق الهوى فيوسم سمة الأحرار قعد على موائد النعم ونزهة السنن فكانت الأعمال موائد غراسه والذكر بساتينه و نزهته فالرق يدنس القلب ويقهره فإذا صار حرا تطهر القلب من الأدناس وخرج من قهر الهوى فاعتز بالله واستغنى بالله
مثل أعمال البر في الجسد مثل أيام الربيع إذا هاج الحر من تحت الأرض وذهب البرد من الجو فإذا غشي الحر بزور الأرض وعروق الأشجار انفطرت الأرض واهتزت وربت وتوردت الأشجار والأوراد واخضرت الزروع والنبات في الأودية والجبال والبراري فهاجت ريح كل شيء فطاب الهواء فإذا طاب الهواء من انفطار هذه الأشياء ووصل نسيم الأوراد والرياحين إلى الخياشيم فصارت شفاء لأجسامهم وصلاحا
vol. 1 · p. 307
لطبائعهم ومرمة لأعضائهم وذهبت عنهم زهومة الشتاء والدخان والأدناس
فكذا الأعمال السيئة كدرت أحوال المؤمنين ودنست جوارحهم وثقلت أركانهم ووهنت أعضاءهم فإذا خالطتها الأعمال الصالحة صارت شفاء للقلوب وقوة للأركان كأيام الربيع وطيب الهواء للأجساد التي وصفنا وحييت القلوب بالأعمال الصالحة التي ماتت من تعاطي الشهوات كالأرض حييت بالأمطار في الربيع من مياه الحياة وكذا قال جل جلاله يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم أي إن الله تعالى دعاكم إليه طاعته فأجيبوه ووفوا له بما دعاكم إلى تحيى قلوبكم به
مثل القلب والنفس مثل القوس أعلاها أوسع من أسفلها فإذا غفل عنها صاحبها أخذ البيت الأسفل من البيت الأعلى قليلا قليلا حتى يصير الأعلى ضيقا والأسفل واسعا فلا تخرج الرمية عن قوة ولا تبلغ المقصد
فكذلك القلب هو في غناه وسعته وقوته متمكن في التدبير