الباب الثاني: في معنى التجويد، وفيه فصول الفصل الأول في التجويد والتحقيق والترتيل
vol. 1 · p. 47
وأما التحقيق فهو مصدر من حقق تحقيقا، إذا أتى بالشيء على حقه، وجانب الباطل فيه، والعرب تقول: بلغت حقيقة هذا الأمر، أي بلغت يقين شأنه، والاسم منه الحق.
ومعناه أن يؤتى بالشيء على حقه، من غير زيادة فيه ولا نقصان منه.
وأما الترتيل فهو مصدر من رتل فلان كلامه، إذا أتبع بعضه بعضا على مكث، والاسم منه الرتل، والعرب تقول: ثغر رتل، إذا كان مفرقا لم يركب بعضه بعضا، قال صاحب العين: رتلت الكلام تمهلت فيه.
وقال الأصمعي: في الأسنان الرتل، وهو أن يكون بين الأسنان الفرج، لايركب بعضها بعضا.
وحده: ترتيب الحروف على حقها في تلاوتها، بتلبث فيها.
سئل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن هذه الآية، فقال: الترتيل هو تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف.
وروى ابن جريج، عن مجاهد، أنه قال: أي ترسل فيه ترسلا.
وروى جبير عن الضحاك: أي أنبذه حرفا حرفا.
وروى مقسم عن
vol. 1 · p. 48
ابن عباس: أي بينه تبيينا.
وقال علماؤنا: أي تلبث في قراءته، وأفصل الحرف من الحرف الذي بعده، ولا تستعجل فتدخل بعض الحروف في بعض.
ولم يقتصر - سبحانه وتعالى - على الأمر بالفعل حتى أكده بمصدره، تعظيما لشأنه، وترغيبا في ثوابه.
وقال تعالى {ورتلناه ترتيلا} أي أنزلناه على الترسل، وهو المكث، وهو ضد العجلة، وقال تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} أي على ترسل.
الترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط.
والتحقيق يكون لرياضة الألسن، وترقيق الألفاظ الغليظة، وإقامة القراءة، وإعطاء كل حرف حقه، من المد والهمز والإشباع والتفكيك، ويؤمن معه تحريك ساكن واختلاس حركه.
وتفكيك الحروف وفكها بيانها وإخراج بعضها من بعض بيسر وترسل، ومن ذلك فك الرقبة، وفك الأسير، لأنه إخراجهما من الرق والأسر، وكذا فك الرهن هو إخراجه من الارتهان، وفك الكتاب هو استخراج ما فيه، وفك الأعضاء هو إخراجها من مواضعها.
قال الداني: الفرق بين الترتيل والتحقيق أن الترتيل يكون بالهمز وتركه والقصر لحرف المد والتخفيف والاختلاس، وليس ذلك في التحقيق.
وكذا قال أبو بكر الشذائي.