سورة الحجر
vol. 3 · p. 183
وقال النحويون ارتفع لعمرك بالابتداء والخبر محذوف، المعنى لعمرك
قسمي، ولعمرك ما أقسم به. وحذف الخبر لأن في الكلام دليلا عليه.
المعنى أقسم إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ومعنى يعمهون يتحيرون.
وباب القسم قد يحذف معه الفعل، تقول: والله لأفعلن وتالله لأفعلن، والمعنى أحلف بالله، وأحلف والله، فيحذف أحلف لعلم المخاطب بأنك حالف، وكذلك يحذف خبر الابتداء كما ذكرنا.
* * *
وقوله: (فأخذتهم الصيحة مشرقين (73)
أي أخذت قوم لوط الصيحة بالعذاب مشرقين، يقال أشرقنا فنحن
مشرقون، إذا صادفوا شروق الشمس، وهو طلوعها، كما تقول أصبحنا إذا صادفوا الصبح. يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت بمعنى واحد، إلا أن معنى " مشرقين " في معنى مصادفين لطلوع الشمس.
* * *
وقوله: (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74)
معنى (من سجيل) من طين عليه كتاب. واشتقاق ذلك من السجل.
ودليل هذا التفسير قوله: (حجارة من طين (33) مسومة عند ربك).
فأعلم أنها من طين وأنها مسومة أي معلمة لعلامات الكتاب.
* * *
(إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75)
قيل المتوسمون المتفرسون، وقيل المتفكرون. وحقيقته في اللغة
المتوسمون النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء تقول
توسمت في فلان كذا وكذا، أي عرفت وسم ذلك فيه.
vol. 3 · p. 184
(وإنها لبسبيل مقيم (76)
أي لبطريق واضح بين.
* * *
(إن في ذلك لآية للمؤمنين (77)
أي لعلامة بينة للمصدقين.
* * *
(وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78)
أي أصحاب الشجر، والأيك الشجر وهؤلا أهل موضع كان ذا شجر.
فانتقم الله منهم بكفرهم، قيل إنه أخذهم الحر أياما ثم اضطرم عليهم المكان نارا فهلكوا عن آخرهم. ومعنى " إن واللام " التوكيد.
* * *
(فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79)
أي لبطريق يؤتم أي يقصد فيبين، وأصحاب الحجر أصحاب واد يقال
له الحجر.
* * *
وقوله: (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87)
قيل: السبع من المثاني هي فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات، وإنما قيل
لها المثاني لأنها يثنى بها في كل ركعة من ركعات الصلاة، ويثنى بها مع ما
يقرأ من القرآن.
ويجوز - والله - أعلم - أن يكون من المثاني أي مما أثني به
على الله، لأن فيها حمد الله، وتوحيده وذكر ملائكته وملكه يوم الدين.
وروي في التفسير أنه ما أعطيت أمة كما أعطيت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من سورة الحمد.
فأما دخول " من " فهي ههنا تكون على ضربين، تكون للتبعيض
من القرآن، أي ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على
الله - عز وجل - وآتيناك القرآن العظيم، ويجوز أن يكون السبع هي المثاني، وتكون " من " الصفة كما قال عز وجل: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان).
المعنى اجتنبوا الأوثان، لا أن بعضها رجس.