سورة يس
vol. 4 · p. 278
وقوله جل وعز (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8)
وقرأ ابن عباس وابن مسعود رحمهما الله: إنا جعلنا (في أيمانهم).
وقرأ بعضهم (في أيديهم أغلالا)، وهاتان القراءتان لا يجب أن يقرأ
بواحدة منهما؛ لأنهما بخلاف المصحف.
فالمعنى في قوله في أعناقهم
ومن قرأ (في أيمانهم) ومن قرأ (في أيديهم) فمعنى واحد.
وذلك أنه لا يكون الغل في العنق دون اليد ولا في اليد دون العنق، فالمعنى إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيمانهم أغلالا.
(فهي إلى الأذقان).
كناية عن الأيدي لا عن الأعناق، لأن الغل يجعل اليد تلي
الذقن، والعنق هو مقارب للذقن، لا يجعل الغل العنق إلى الذقن.
وقوله: (فهم مقمحون).
المقمح " الرافع رأسه الغاض بصره، وقيل للكانونين شهرا قماح
لأن الإبل إذا وردت الماء ترفع رءوسها لشدة برده، ولذا قيل شهرا
قماح، وإنما ذكرت الأعناق ولم تذكر الأيدي إيجازا واختصارا لأن
الغل يتضمن العنق واليد.
ومن قرأ (في أيمانهم) فهو أيضا يدل على العنق.
ومثل هذا قول المثقب:
فما أدري إذا يممت أرضا. . . أريد الخير أيهما يليني؟
أألخير الذي أنا أبتغيه. . . أم الشر الذي هو يبتغيني
vol. 4 · p. 279
وإنما ذكر الخير وحده، ثم قال أيهما يليني، لأن قد علم أن
الإنسان الخير والشر معرضان له، لا يدري إذا أم أرضا أيلقاه هذا أم
هذا، ومثله من كتاب الله: (سرابيل تقيكم الحر)، ولم يذكر البرد.
لأن ما وقى هذا وقى هذا.
* * *
(وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون
(9)
(سدا) و (سدا) - بالفتح والضم - ومعناهما واحد.
وقد قيل: السد فعل الإنسان والسد خلقة المسدود.
وفيه وجهان: أحدهما قد جاء في التفسير، وهو أن قوما أرادوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - سوءا فحال الله بينهم وبين ذلك فجعلوا بمنزلة من هذه حاله، فجعلوا بمنزلة من غلت يمينه وسد
طريقه من بين يديه ومن خلفه وجعل على بصره غشاوة، وهو معنى
(فأغشيناهم).
. ويقرأ فأعشيناهم بالعين غير معجمة، فحال الله بينهم وبين
رسوله وكان في هؤلاء أبو جهل فيما يروى، ويجوز أن يكون وصف
إضلالهم فقال: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان)، أي
أضللناهم فأمسكنا أيديهم عن النفقة في سبيل الله والسعي فيما
يقرب إلى الله (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا)، كما
قال: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) الآية.
والدليل على هذا قوله: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا
يؤمنون)، لأن من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار.
* * *
(إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11)