سورة البقرة
vol. 1 · p. 240
وقوله عز وجل: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (168)
هذا على ضربين: أحدهما الإباحة لأكل جميع الأشياء إلا ما قد حظر
الله عز وجل من الميتة وما ذكر معها، فيكون (طيبا) نعتا للحلال، ويكون
طيبا نعتا لما يستطاب، والأجود أن يكون (طيبا) من حيث يطيب لكم، أي لا تأكلوا وتنفقوا مما يحرم عليكم كقوله عز وجل:
(ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون).
* * *
وقوله عز وجل: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان).
أكثر القراءة خطوات بضم الخاء والطاء، وإن شئت أسكنت الطاء.
(خطوات) لثقل الضمة، وإن شئت خطوات، وهي قراءة شاذة ولكنها جائزة في العربية قوية، وأنشد الخليل وسيبويه وجميع البصريين النحويين:
ولما رأونا باديا ركباتنا. . . على موطن لا نخلط الجد بالهزل
ومعنى (خطوات الشيطان) طرقه، أي لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه
الشيطان.
* * *
وقوله عز وجل: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170)
معنى (ألفينا) صادفنا، فعنفهم الله وعاب عليهم تقليدهم آباءهم.
فقال: (أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون).
vol. 1 · p. 241
المعنى أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالا، وهذه الواو مفتوحة لأنها واو
عطف، دخلت عليها ألف التوبيخ، وهي ألف الاستفهام فبقيت الواو مفتوحة على ما يجب لها.
* * *
قوله عز وجل: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون (171)
وضرب الله عز وجل لهم هذا المثل، وشبههم بالغنم المنعوق بها.
بما لا يسمع منه إلا الصوت، فالمعنى مثلك يا محمد، ومثلهم كمثل
الناعق والمنعوق به، بما لا يسمع، لأن سمعهم ما كان ينفعهم، فكانوا في
شركهم وعدم قبول ما يسيمعون بمنزلة من لم يسمع، والعرب تقول لمن
يسمع ولا يعمل بما يسمع: أصم.
قال الشاعر:
أصم عما ساءه سميع
* * *
وقوله عز وجل (صم بكم عمي).
وصفهم بالبكم وهو الخرس، وبالعمى، لأنهم في تركهم ما يبصرون
من الهداية بمنزلة العمي.
وقد شرحنا هذا في أول السورة شرحا كافيا إن شاء الله. .
* * *
وقوله عز وجل: (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173)
النصب في (الميتة) وماعطف عليها هو القراءة، ونصبه لأنه مفعول