سورة البقرة
vol. 1 · p. 88
وفي قوله عز وجل: (خلوا إلى). وجهان إن شئت أسكنت الواو
وخففت الهمزة وكسرتها فقلت: (خلوا إلى) وإن شئت ألقيت الهمزة وكسرت الواو فقلت: " خلو ليى " وكذلك يقرأ أهل الحجاز وهو جيد بالغ، و (إنا) الأصل فيه "إننا"، كما قال الله عز وجل: (إنني معكما) ولكن النون حذفت لكثرة النونات، والمحذوف النون الثانية من إن، لأن في " إن " نونين الأولى ساكنة والثانية متحركة.
* * *
وقوله عز وجل: (إنما نحن مستهزئون).
نحن مبنية عفى الضم، لأن نحن يدل على الجماعة، وجماعة
المضمرين يدل عليهم - إذا ثنيت الواحد من لفظه - الميم والواو، نحو
فعلوا، وأنتم، فالواو من جنس الضمة، فلم " يكن بذ من حركة (نحن)
فحركت بالضم لأن الضم من الواو؛ ألا ترى أن واو - الجماعة إذا حركت
لالتقاء الساكنين ضمت، نحو (اشتروا الضلالة)، وقد حركها بعضهم إلى
الكسر فقال: (اشتروا الضلالة)، لأن اجتماع الساكنين يوجب كسر الأولى إذا كانا من كلمتين، والقراءة المجمع عليها: (اشتروا الضلالة) بالضم، وقد
رويت: (اشتروا الضلالة)، بالفتح، وهو شاذ جدا.
و (مستهزئون)؛ القراءة الجيدة فيه، تحقيق الهمزة فإذا خففت الهمزة
جعلت الهمزة بين الواو، والهمزة فقلت "مستهزؤون).
فهذا الاختيار بعد التحقيق.
vol. 1 · p. 89
ويجوز أن تبدل من الهمزة ياء فتقول: " مستهزيون " فأما " مستهزون "
فضعيف لا وجه له إلا شاذا على لغة،. من أبدل الهمزة ياء فقال في
استهزأت: استهزيت. فيجب على لغة، استهزيت أن يقال، مستهزون.
* * *
وقوله عز وجل: (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15)
فيه أوجه من الجواب: فمعنى استهزاء الله بهم أن أظهر لهم من
أحكامه في الدنيا خلاف ما لهم في الآخرة، كما أظهروا من الإسلام خلاف ما
أسروا.
ويجوز أن يكون استهزاؤه بهم: أخذه إياهم من حيث لا يعلمون، كما
قال عز وجل: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون).
ويجوز - والله أعلم - وهو (الوجه) المختار عند أهل اللغة أن يكون معنى يستهزئ بهم يجازيهم على هزئهم بالعذاب، فسمى جزاء الذنب باسمه كما قال عز وجل: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) فالثانية ليست سيئة في الحقيقة، ولكنها سميت سيئة لازدواج الكلام.
وكذلك قوله عز وجل: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)
فالأول ظلم والثاني ليس بظلم ولكنه جيء في اللغة باسم الذنب ليعلم أنه عقاب عليه وجزاء به.
فهذه ثلاثة أوجه والله أعلم.
وكذلك يجري هذا المجرى قوله عز وجل: (يخادعون الله وهو خادعهم)