سورة المائدة
vol. 2 · p. 215
وللإجماع أن الشهود لا يجب أن يحلفوا.
وقد أجاز قوم في السفر شهادة الذميين.
وقال الله عز وجل: (وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله) وقال: (ممن ترضون من الشهداء)
والشاهد إذا علم أنه كذاب لم تجر أن تقبل شهادته، وقد علمنا أن النصارى زعمت أن الله ثالث ثلاثة وأن إليهود قالت إن العزير ابن الله وعلمنا أنهم كاذبون، فكيف يجوز أن تقبل شهادة من هو مقيم على الكذب؟
ومعنى قوله: (تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله).
كان الناس بالحجاز يحلفون بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع
الناس.
وقوله: (إن ارتبتم).
إن وقع في أنفسكم منهم ريب، أي ظننتم بهم ريبة.
وقوله: (فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين (107)
أي فإن اطلع على أنهما قد خانا.
(فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان).
وقد قرئت الأولين ويجوز (من الذين استحق عليهم الأوليان) وهذا
موضع من أصعب ما في القرآن في الإعراب.
فأوليان في قول أكثر البصريين يرتفعان على البدل مما في (يقومان).
المعنى: " فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين).
(فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما).
vol. 2 · p. 216
فإذا ارتفع الأوليان على البدل، فاللذان في استحق من الضمير معنى
الوصية، المعنى فليقم الأوليان من الذين استحقت الوصية عليهم، أو استحق
الإيصاء عليهم.
وقال بعضهم: معنى (من الذين استحق عليهم الأوليان) معناه: استحق
فيهم، وقامت " على " مقام " في " كما قامت " في " مقام " على " في قوله:
(ولأصلبنكم في جذوع النخل) ومعناه: على جذوع النخل.
وقال بعضهم معنى على (من الذين استحق عليهم الأوليان) كما قال:
(الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون) أي إذا اكتالوا من الناس.
وقيل أن في " استحق " ذكر الإثم، لأن قوله عز وجل: (فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان)
كان المعنى: الذين جني الإثم عليهم.
وقيل إن " الأوليان " جائز أن يرتفعا باستحق، ويكون
معناهما الأوليان باليمين، أي بأن يحلفا من يشهد بعدهما، فإن جاز شهادة
النصرانيين كان " الأوليان " على هذا القول النصرانيين، أو الآخران من غير
بيت الميت.
وأجود هذه الأقوال أن يكون الأوليان بدلا، على أن المعنى:
ليقم الأوليان من الذين استحق عليهم الوصية.
ومن قرأ (الأولين) رده على الذين، وكان المعنى من الذين استحق عليهم الإيصاء الأولين.
واحتج من قرا بهذا فقال: أرأيت إن كان الأوليان صغيرين؟.
* * *
وقوله: (ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين (108)
أي ذلك أقرب من الإتيان بالشهادة على وجهها، وأقرب إلى أن يخافوا.
* * *
وقوله: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب (109)