سورة الأنعام
vol. 2 · p. 225
بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو إسحاق: بلغني من حيث أثق به أن سورة الأنعام نزلت كلها
جملة واحدة، نزل بها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح، وأن أكثرها
احتجاج على مشركي العرب. على من كذب بالبعث والنشور، فابتدأ الله
عز وجل بحمده فقال:
(الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1)
فذكر أعظم الأشياء المخلوقة لأن السماء بغير عمد ترونها والأرض
غير مائدة بنا، ثم ذكر الظلمات والنور، وذكر أمر الليل والنهار، وهو مما به قوام الخلق، فأعلم الله عز وجل أن هذه خلق له، وأن خالقها لا شيء مثله.
وأعلم مع ذلك أن الذين كفروا بربهم يعدلون، أي يجعلون لله عديلا.
فيعبدون الحجارة الموات، وهم يقرون أن الله خالق ما وصف، ثم أعلمهم
الله عز وجل أنه خلقهم من طين، وذكر في غير هذا الموضع أحوال
المخلوقين في النطف والعلق والمضغ المخلقة وغير المخلقة، وذلك أن
المشركين شكوا في البعث وقالوا: (من يحي العظام وهي رميم)
فأعلمهم
vol. 2 · p. 227
عز وجل أن الذي أنشأهم وأنشأ العظام وخلق هذه الأشياء لا من شيء قادر
على أن يخلق مثلها، - وهويحييهم بعد موتهم، فقال عز وجل:
(هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون (2)
أي جعل لحياتكم أجلا أي وقتا تحيون فيه.
(وأجل مسمى عنده) يعني أمر الساعة والبعث، (ثم أنتم) بعد هذا البيان. (تمترون) أي تشكون.
* * *
وقوله جل وعز: (وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3)
" في " موصولة في المعنى بما يدل عليه اسم الله، المعنى هو الخالق
العالم بما يصلح به أمر السماء والأرض، المعنى هو المتفرد بالتدبير في
السماوات والأرض، ولو قلت هو زيد في البيت والدار لم يجز إلا أن يكون في الكلام دليل على أن زيدا يدبر أمر البيت والدار، فيكون المعنى هو المدبر في الدار والبيت، ولو قلت هو المعتضد الخليفة في الشرق والغرب، أو قلت هو المعتضد في الشرق والغرب جاز على هذا.
ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر كأنه قيل إنه هو الله، وهو في السماوات وفي الأرض، ومثل هذا القول الأول -
(وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)
ويجوز أن يكون وهو الله في السماوات وفي الأرض، أي هو المعبود فيهما، وهذا نحو القول الأول.
قوله عز وجل: (فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (5)
دل بهذا أنهم كانوا يستهزئون، وقد ذكر استهزاؤهم في غير هذا
المكان، ومعنى إتيانه أي تأويله: المعنى سيعلمون ما يؤول إليه استهزاؤهم.
* * *
وقوله عز وجل: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6) ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7)