سورة الأنعام
vol. 2 · p. 228
موضع " كم " نصب ب "أهلكنا " إلا أن هذا الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله
وقيل القرن ثمانون سنة وقيل سبعون، والذي يقع عندي - والله أعلم - أن
القرن أهل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم.
قلت السنون أو كثرت.
والدليل على هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - خيركم قرني، أي أصحابي، رحمة الله عليهم ثم الذين يلونهم يعني التابعين، ثم الذين يلونهم يعني الذين أخذوا عن التابعين.
وجائز أن يكون القرن لجملة الأمة وهؤلاء قرون فيها.
وإنما اشتقاق القرن من الاقتران، فتأويله أن القرن الذين كانوا
مقترنين في ذلك الوقت، والذين يأتون بعدهم ذوو اقتران آخر.
وقوله عز وجل: (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا).
أي ذات غيث كثير، ومفعال من أسماء المبالغة يقال ديمة مدرار، إذا
كان مطرها غزيرا دائما، وهذا كقولهم امرأة مذكار، إذا كانت كثيرة الولادة للذكور، وكذا مئناث في الإناث.
* * *
وقوله عز وجل: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7)
أعلم الله عز وجل أنهم قد أصلوا في السيئ الباطل في دفع النبوة.
لأنهم قد رأوا القمر انشق فأعرضوا، وقالوا سحر مستمر.
وكذلك يقولون في كل ما يعجز عنه المخلوقون سحر، هذا عين الدفع
vol. 2 · p. 229
لغاية الحق والنور الساطع المبين، فلو رأوا الكتاب ينزل من السماء لقالوا
سحر كما أنهم قالوا في انشقاق القمر سحر.
* * *
(وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (8)
يعنون على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون).
يعني - والله أعلم - أن الآيات مما لا يقع معه إنظار.
ومعنى (لقضي الأمر) أي لتم بإهلاكهم.
و" قضي " في اللغة على ضروب كلها يرجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه، فمنه قوله تعالى: (ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) معناه ثم حتم بعد ذلك فأتمه، ومنه الأمر وهو قوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) معناه أمر إلا أنه أمر قاطع حتم.
ومنه الإعلام وقوله: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين) أي أعلمناهم إعلاما قاطعا، ومنه القضاء الفصل في
الحكم، وهو قوله: (ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم)
ومثل ذلك قولك قد قضى القاضي بين الخصوم، أي قد قطع بينهم في الحكم، ومن ذلك قد قضى فلان دينه، تأويله قطع ما لغريمه عليه فأداه إليه وقطع ما بينه وبينه.
وكل ما أحكم فقد قضي، تقول قد قضيت هذا الثوب، وقد قضيت هذه الدار إذا عملتها وأحكمت عملها.
قال أبو ذؤيب الهذلي:
وعليهما مسرودتان قضاهما. . . داود أو صنع السوابغ تبع