[فصل الجواب على شبه الذين جوزوا الحيل]
vol. 4 · p. 180
ويرجع عنه، ويحكي عنه في المسألة الواحدة عدة أقوال، ووقوع الخطأ في فهم كلام المعصوم أقل بكثير من وقوع الخطأ في فهم كلام الفقيه المعين؛ فلا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به إلا وأضعاف أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطؤه من صوابه.
والصواب في هذه المسألة التفصيل؛ فإن كانت دلالة الحديث ظاهرة بينة لكل من سمعه لا يحتمل غير المراد فله أن يعمل به، ويفتي به، ولا يطلب له التزكية من قول فقيه أو إمام، بل الحجة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن خالفه من خالفه، وإن كانت دلالته خفية لا يتبين المراد منها لم يجز له أن يعمل، ولا يفتي بما يتوهمه مرادا حتى يسأل ويطلب بيان الحديث ووجهه، وإن كانت دلالته ظاهرة كالعام على أفراده، والأمر على الوجوب، والنهي على التحريم؛ فهل له العمل والفتوى به؟ يخرج على الأصل وهو العمل بالظواهر قبل البحث عن المعارض، وفيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: الجواز، والمنع، والفرق بين العام [والخاص] فلا يعمل به قبل البحث عن المخصص، والأمر والنهي فيعمل به قبل البحث عن المعارض، وهذا كله إذا كان ثم نوع أهلية ولكنه قاصر في معرفة الفروع وقواعد الأصوليين والعربية، وإذا لم تكن ثمة أهلية قط ففرضه ما قال الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال» وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا وصعد فمن كلام إمامه؛ فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى بالجواز، وإذا قدر أنه لم يفهم الحديث كما لو لم يفهم فتوى المفتي فيسأل من يعرفه معناه، كما يسأل من يعرفه معنى جواب المفتي، وبالله التوفيق.
[هل للمفتي أن يفتي بغير مذهب إمامه؟] الفائدة التاسعة والأربعون: (هل للمنتسب إلى تقليد إمام معين أن يفتي بقول غيره) ؟ لا يخلو الحال من أمرين: إما أن يسأل عن مذهب ذلك الإمام فقط فيقال له: ما مذهب الشافعي مثلا في كذا وكذا؟ أو يسأل عن حكم الله الذي أداه إليه اجتهاده؛ فإن سئل عن مذهب ذلك الإمام لم يكن له أن يخبره بغيره إلا على وجه الإضافة إليه، وإن سئل عن حكم الله من غير أن يقصد السائل قول فقيه معين؛ فههنا يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه، لا يسعه غير ذلك، فإن لم