[فصل مثل من القياس التمثيلي]
vol. 1 · p. 186
اسم البر لا يتناول الخردل، واسم التمر لا يتناول البلوط، واسم الذهب والفضة لا يتناول القصدير، وأن تقدير نصاب السرقة لا يدخل فيه تقدير المهر، وأن تحريم أكل الميتة لا يدل على أن المؤمن الطيب عند الله حيا وميتا إذا مات صار نجسا خبيثا، وأن هذا عن البيان الذي ولاه الله رسوله وبعثه به أبعد شيء وأشده منافاة له، فليس هو مما بعث به الرسول قطعا، فليس إذا من الدين.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «، ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» ، ولو كان الرأي والقياس خيرا لهم لدلهم عليه، وأرشدهم إليه، ولقال لهم: إذا أوجبت عليكم شيئا أو حرمته فقيسوا عليه ما كان بينه وبينه وصف جامع أو ما أشبهه، أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه، ولما حذرهم من ذلك أشد الحذر كما ستقف عليه - إن شاء الله -، وقد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره، وإنما بعث الله سبحانه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالعربية التي يفهمها العرب من لسانها، فإذا نص سبحانه في كتابه أو نص رسوله على اسم من الأسماء وعلق عليه حكما من الأحكام وجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم، ولا يتعدى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه، ولا يخرج عن ذلك الحكم شيء مما يقتضيه الاسم؛ فالزيادة على ذلك زيادة في الدين، والنقص منه نقص في الدين؛ فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل، وكلاهما ليس من الدين، ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه ويقول: هذا قياس، ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول: هذا تخصيص، ومرة يترك النص جملة ويقول: ليس العمل عليه، أو يقول: هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول.
قالوا: ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبع الناس للأحاديث، وكان كلما توغل فيه الرجل [فيه] كان أشد اتباعا للأحاديث والآثار.
قالوا: ونحن نرى أن كلما اشتد توغل الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنن والأثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس، فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به؟ ، وكم من أثر درس حكمه بسببه؟
فالسنن والآثار عند والأرائيين والقياسيين خاوية على عروشها، معطلة أحكامها، معزولة عن سلطانها وولايتها، لها الاسم ولغيرها الحكم، منها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي، وإلا فلماذا ترك حديث العرايا، وحديث قسم الابتداء وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكرا وثلاثا إن كانت ثيبا ثم يقسم بالسوية، وحديث تغريب الزاني غير المحصن.
وحديث الاشتراط في الحج وجواز التحلل