[فصل لم يأمر النبي بالقياس بل نهى عنه]
vol. 1 · p. 249
النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضا، ويشهد بعضها لبعض؛ فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدا، ونصوص الشارع نوعان: أخبار، وأوامر، فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح، بل هي نوعان: نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة أو جملة وتفصيلا، ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة، فهكذا أوامره - سبحانه - نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه، وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال وهو ورودها بما يرده العقل الصحيح فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح.
وهذه الجملة إنما تنفصل بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين: إحداهما: أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمرا ونهيا وإذنا وعفوا، كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علما وكتابة وقدرا، فعلمه وكتابه وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها، وأمره ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية، فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني، وإما الشرعي الأمري، فقد بين الله - سبحانه - على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره به وجميع ما نهى عنه وجميع ما أحله وجميع ما حرمه وجميع ما عفا عنه، وبهذا يكون دينه كاملا كما قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} [المائدة: 3] ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص وعن وجه الدلالة وموقعها، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص - سبحانه - سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالعلم والحكم. وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه " الفهم الفهم فيما أدلي إليك ".
وقال علي " إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه "، وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ودعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عباس أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل» والفرق بين الفقه والتأويل أن الفقه هو فهم المعنى المراد، والتأويل إدراك الحقيقة التي يئول إليها المعنى التي هي أخيته وأصله، وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل، فمعرفة التأويل يختص به الراسخون في العلم، وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى؛ فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه والله يعلم بطلانه