Skip to content

Books to be read, not browsed

[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها] — جامع العلوم والحكم

From ⁧جامع العلوم والحكم⁩ by ⁧عبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي⁩ — leaf 356 of 999.

[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها]

vol. 1 · p. 408

وقال بعضهم: ابن آدم إن كنت حيث ركبت المعصية لم تصف لك من عين ناظرة إليك، فلما خلوت بالله وحده صفت لك معصيته، ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه، ما أنت إلا أحد رجلين: إن كنت ظننت أنه لا يراك، فقد كفرت، وإن كنت علمت أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه لقد اجترأت عليه. دخل بعضهم غيضة ذات شجر، فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع هاتفا بصوت ملأ الغيضة: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] [الملك: 14] . راود بعضهم أعرابية، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: أين مكوكبها؟ . رأى محمد بن المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها فقال: إن الله يراكما سترنا الله وإياكما. وقال الحارث المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب الرب. وسئل الجنيد بم يستعان على غض البصر، قال بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره. وكان الإمام أحمد ينشد:

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليه يغيب

وكان ابن السماك ينشد

vol. 1 · p. 409

يا مدمن الذنب أما تستحيي ... والله في الخلوة ثانيكا

غرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا

والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصى معاذا بتقوى الله سرا وعلانية، أرشده إلى ما يعينه على ذلك وهو أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل ذي هيبة من قومه. ومعنى ذلك أن يستشعر دائما بقلبه قرب الله منه واطلاعه عليه فيستحيي من نظره إليه. وقد امتثل معاذ ما وصاه به النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمر قد بعثه على عمل، فقدم وليس معه شيء، فعاتبته امرأته، فقال: كان معي ضاغط، يعني: من يضيق علي ويمنعني من أخذ شيء، وإنما أراد معاذ ربه عز وجل، فظنت امرأته أن عمر بعث معه رقيبا، فقامت تشكوه إلى الناس. ومن صار له هذا المقام حالا دائما أو غالبا، فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. وفي الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين. وفي الحديث: " «ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا» " روي هذا مرفوعا، وروي عن ابن مسعود من قوله.

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت