[الحديث السابع والعشرون البر حسن الخلق]
vol. 2 · p. 95
وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره عن عبد الرحمن بن معاوية: «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما يحل لي مما يحرم علي؟ وردد عليه ثلاث مرار، كل ذلك يسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أين السائل؟ فقال: أنا ذا يا رسول الله، فقال بأصابعه: ما أنكر قلبك فدعه» . خرجه أبو القاسم البغوي في " معجمه " وقال: لا أدري عبد الرحمن بن معاوية سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ ولا أعلم له غير هذا الحديث. قلت: هو عبد الرحمن بن معاوية بن حديج جاء منسوبا في كتاب " الزهد " لابن المبارك، وعبد الرحمن هذا تابعي مشهور، فحديثه مرسل.
وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: " الإثم حواز القلوب ". واحتج به الإمام أحمد، ورواه عن جرير، عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال عبد الله: إياكم وحزاز القلوب، وما حز في قلبك من شيء فدعه.
وقال أبو الدرداء: الخير في طمأنينة والشر في ريبة.
وروي عن ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له: أرأيت شيئا يحيك في صدورنا، لا ندري أحلال هو أم حرام؟ فقال: وإياكم والحكاكات، فإنهن الإثم، والحز والحك متقاربان في المعنى، والمراد: ما أثر في القلب ضيقا
vol. 2 · p. 96
وحرجا، ونفورا وكراهة.
فهذه الأحاديث مشتملة على تفسير البر والإثم، وبعضها في تفسير الحلال والحرام، فحديث النواس بن سمعان فسر النبي صلى الله عليه وسلم فيه البر بحسن الخلق، وفسره في حديث وابصة وغيره بما اطمأن إليه القلب والنفس، كما فسر الحلال بذلك في حديث أبي ثعلبة. وإنما اختلف تفسيره للبر، لأن البر يطلق باعتبارين معينين: أحدهما: باعتبار معاملة الخلق بالإحسان إليهم، وربما خص بالإحسان إلى الوالدين، فيقال: بر الوالدين، ويطلق كثيرا على الإحسان إلى الخلق عموما، وقد صنف ابن المبارك كتابا سماه " كتاب البر والصلة "، وكذلك في " صحيح البخاري " و " جامع الترمذي ": " كتاب البر والصلة "، ويتضمن هذا الكتاب الإحسان إلى الخلق عموما، ويقدم فيه بر الوالدين على غيرهما. وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، أنه قال: «يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أباك، قال: ثم من؟ قال: ثم الأقرب فالأقرب» .
ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» . وفي " المسند " «أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن بر الحج، فقال: إطعام الطعام،