[الحديث الثاني بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر]
vol. 1 · p. 128
واستحضار قربه من عبده، حتى كأن العبد يراه، فإنه قد يشق ذلك عليه، فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه، ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا حقق هذا المقام، سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته، حتى كأنه يراه. وقيل: بل هو إشارة إلى أن من شق عليه أن يعبد الله كأنه يراه، فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه، فليستحي من نظره إليه، كما قال بعض العارفين: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك. وقال بعضهم: خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك. قالت بعض العارفات من السلف: من عمل لله على المشاهدة، فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه، فهو مخلص. فأشارت إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما. أحدهما: مقام الإخلاص، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه عليه وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله وعمل عليه، فهو مخلص لله، لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله وإرادته بالعمل. والثاني: مقام المشاهدة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان، وتنفذ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيب كالعيان. وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام، ويتفاوت أهل هذا المقام فيه بحسب قوة نفوذ البصائر.
vol. 1 · p. 129
وقد فسر طائفة من العلماء المثل الأعلى المذكور في قوله عز وجل {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض} [الروم: 27] (الروم: 27) بهذا المعنى، ومثله قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} [النور: 35] (النور: 35) ، والمراد: مثل نوره في قلب المؤمن، كذا قال أبي بن كعب وغيره من السلف. وقد سبق حديث " «أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيث كنت» " وحديث: «ما تزكية المرء نفسه؟ ، قال: " أن يعلم أن الله معه حيث كان» ". وخرج الطبراني من حديث أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل حيث توجه علم أن الله معه» ، وذكر الحديث. وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186] (البقرة: 186) وقوله تعالى {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4] وقوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا} [المجادلة: 7] (المجادلة: 7) وقوله: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه} [يونس: 61] (يونس: 61) وقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16] (ق: 16) . وقوله: {ولا يستخفون من الله وهو معهم} [النساء: 108] (النساء: 108) . وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات، كقوله صلى الله عليه وسلم «إن أحدكم إذا قام يصلي، فإنما يناجي ربه، أو ربه بينه