[الحديث الثاني بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر]
vol. 1 · p. 132
وقيل لمالك بن مغول وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ فقال: ويستوحش مع الله أحد؟ . وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقر عينه بك، فلا قرت عينه، ومن لم يأنس بك، فلا أنس. وقال غزوان: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه حاجتي. وقال مسلم بن يسار: ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل. وقال مسلم العابد: لولا الجماعة، ما خرجت من بابي أبدا حتى أموت، وقال: ما يجد المطيعون لله لذة في الدنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيدهم، ولا أحسب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكبر في صدورهم وألذ في قلوبهم من النظر إليه، ثم غشي عليه. وعن إبراهيم بن أدهم، قال: أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك، وتستأنس إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك حتى لا ترجو إلا ربك ولا تخاف إلا ذنبك، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تؤثر عليها شيئا، فإذا كنت كذلك لم تبال في بر كنت، أو في بحر، أو في سهل، أو في جبل، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد، وشوق الجائع إلى الطعام الطيب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل وأحلى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف.
vol. 1 · p. 133
وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس، وكان الله جليسه. وقال أبو سليمان لا آنسني الله إلا به أبدا. وقال معروف لرجل: توكل على الله حتى يكون جليسك، وأنيسك وموضع شكواك. وقال ذو النون: من علامة المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلب حب الله تعالى، أنس بالله، لأن الله تعالى أجل في صدور العارفين أن يحبوا سواه. وكلام القوم في هذا الباب يطول ذكره جدا، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى. فمن تأمل ما أشرنا إليه مما دل عليه هذا الحديث العظيم علم أن جميع العلوم والمعارف ترجع إلى هذا الحديث وتدخل تحته، وأن جميع العلماء من فرق هذه الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث، وما دل عليه مجملا ومفصلا فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام، ويضيفون إلى ذلك الكلام في أحكام الأموال والأبضاع والدماء وكل ذلك من علم الإسلام كما سبق التنبيه عليه، ويبقى كثير من علم الإسلام من الآداب والأخلاق وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل منهم، ولا يتكلمون على معنى الشهادتين، وهما أصل الإسلام كله. والذين يتكلمون في أصول الديانات، يتكلمون على الشهادتين، وعلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر.