[الحديث الثاني بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر]
vol. 1 · p. 139
خير لك من أن تمدها إلى يد غني قد عالج الفقر. وإذا كان مع هذا جاهلا جافيا، فسد بذلك الدين، لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل همته في جباية المال واكتنازه، ولا يبالي بما فسد من دين الناس، ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم. وقال في حديث آخر " «لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها» ". وإذا صار ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال، فصدق الكاذب، وكذب الصادق، وائتمن الخائن، وخون الأمين، وتكلم الجاهل، وسكت العالم، أو عدم بالكلية، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، وأخبر: أنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.» وقال الشعبي: لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلا، والجهل علما. وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور. وفي " صحيح الحاكم " عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " «إن من أشراط
vol. 1 · p. 140
الساعة أن يوضع الأخيار، ويرفع الأشرار» ". وفي قوله: " يتطاولون في البنيان " دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصا بالتطاول في البنيان، ولم يكن إطالة البناء معروفا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بل كان بنيانهم قصيرا بقدر الحاجة، روى أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة، حتى يتطاول الناس في البنيان» خرجه البخاري. وخرج أبو داود من حديث أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فرأى قبة مشرفة، فقال " ما هذه "؟ قالوا: هذه لفلان، رجل من الأنصار، فجاء صاحبها، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه، فعل ذلك مرارا، فهدمها الرجل.» وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضا، وعنده فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بناء - وأشار بيده هكذا على رأسه - أكثر من هذا، فهو وبال.» وقال حريث بن السائب عن الحسن: كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي. وروي عن عمر أنه كتب: لا تطيلوا بناءكم فإنه شر أيامكم. وقال يزيد بن أبي زياد: قال حذيفة لسلمان: ألا نبني لك مسكنا يا أبا عبد الله، قال: لم تجعلني ملكا؟ قال: لا، ولكن نبني لك بيتا من قصب ونسقفه بالبواري، إذا قمت كاد أن يصيب رأسك، وإذا نمت كاد أن يمس طرفيك، قال: كأنك كنت في نفسي