Skip to content

Books to be read, not browsed

المقدمة — الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن

From ⁧الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن⁩ by ⁧أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله الهروي البغدادي⁩ — leaf 1 of 409.

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (1).

يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا (2).

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا* يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (3).

أما بعد .. (4).

لما أنهيت الدراسة التمهيدية- بقسم التفسير وعلوم القرآن- من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

اخترت أن أجعل موضوع الرسالة تحقيق مصنف قيم من ذلك العطاء الضخم الذى خلفه لنا علماء الإسلام الأجلاء.

وبعد بحث ومتابعة لعدد من فهارس المخطوطات وسؤال واستفسار توجهت به إلى بعض العلماء والمشايخ، أرشدني الشيخ عبد الله بن غديان- جزاه الله خيرا- إلى مخطوط نفيس عظيم الفائدة جليل القدر هو: الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي.

وما أن وقع نظري عليه وأمعنت في قراءته حتى وجدت مطلبي فاستشرت أستاذنا الفاضل الدكتور/ أحمد حسن فرحات في تسجيل هذا الكتاب موضوعا لرسالة الماجستير فحثني على ذلك ورغبنى فيه.

ثم رسمت خطة العمل وتقدمت بها إلى مجلس القسم فجاءت الموافقة على أن أقوم بدراسة وتحقيق للكتاب وأن يتولى الإشراف شيخنا الفاضل/ محمد بن عبد الرحمن الراوي.

وكان مسار عملي في كل من الدراسة والتحقيق على النحو التالي:

أولا: الدراسة: عبارة عن ثلاثة فصول:

الفصل الأول: ترجمة شاملة لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي تضمنت:

نسبه وشهرته.

مولده.

العصر الذى عاش فيه- الحالة السياسية- الحالة العلمية.

مكانته وثناء العلماء عليه.

ذكر من أخذ عنهم العلم: شيوخه في القراءات، شيوخه في الحديث، شيوخه في اللغة والأدب، شيوخه في الفقه.

ذكر الذين أخذوا عنه العلم.

عقيدته: مذهبه في الإيمان، مذهبه في الصفات.

أقوال أثرت عنه.

مصنفاته.

وفاته.

الفصل الثاني: دراسة لكتاب أبي عبيد الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز تضمنت:

اسم الكتاب.

نسبته إلى المؤلف.

منهج المؤلف في تصنيفه للكتاب.

المميزات التي انفرد بها الكتاب.

المآخذ التي لاحظتها عليه.

مفهوم أبي عبيد لمصطلح الناسخ والمنسوخ.

الفصل الثالث: دراسة للمصنفات في الناسخ والمنسوخ.

تضمنت:

ذكر لمن ألف في الناسخ والمنسوخ.

ذكر لمن أنكر النسخ.

ثانيا: التحقيق:

مهدت للكتاب بمدخل ضمنته أمرين:

الأول: وصف المخطوطة.

الثاني: المنهج الذي اعتمدته في تحقيق الكتاب وأجهدت نفسي في السير عليه.

هذا وقد كان عملي في تحقيق الكتاب:

أولا: التحري في إخراج النص على أجود صورة جاء بها الكتاب.

ثانيا: عزو الآيات القرآنية إلى مواضعها بعد إتمامها في الهامش.

ثالثا: عزو الأحاديث والآثار إلى أماكنها في المصادر المعتمدة المعنية بالإسناد.

رابعا: التعريف بالأعلام الذين يرد ذكرهم في الكتاب ما لم يكن الأثر أو الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإني حينئذ أهمل التعريف برجاله.

خامسا: أنقل أقوال بعض العلماء كالطبري وابن كثير والنحاس وابن الجوزي حول بعض الآيات وذلك إتماما للفائدة.

سادسا: أعلق في بعض المواطن إن لزم الأمر، مرجحا، جامعا بين متعارضين، موضحا ومبينا كلاما ظاهره الغموض.

سابعا: أوضحت الغريب وشرحت بعض المصطلحات الهامة.

ثامنا: عرفت ببعض القبائل والأماكن والبلدان.

وفيما يتعلق بالفهارس فلقد ابتدأتها بدليل يسترشد به القارئ إلى مكان كل فهرس ثم أعقبته بفهارس منوعة جاءت على النحو التالي:

الآيات: صنعت فهرسا عاما للآيات القرآنية وآخر للآيات الناسخة والمنسوخة والمراد بالنسخ في كل منها عند المؤلف.

الأحاديث والآثار: جعلت للأحاديث فهرسا مستقلا مرتبا حسب حروف المعجم تسهيلا للرجوع عند الطلب.

كما صنعت فهرسا خاصا بالآثار ذاكرا أمام كل منها صاحب الأثر ليتيسر للقارئ حصر أقوال الرجل الواحد وجمعها.

الأعلام: ما من علم مر ذكره بالكتاب إلا وأوردته في الفهرس محددا مكان وجوده جاعلا علامة «م» فوق رقم الأثر الذي ترجمت فيه لذلك العلم.

القبائل والأمكنة والبلدان: صنعت فهرسا لكل بلد أو مكان أو قبيلة ورد ذكرها في الكتاب فما كان منها معرفا ميزته بالحرف «ع» فوق رقم الأثر الذي عنده حصل التعريف.

أبيات الشعر: أفردت لأبيات الشعر- وهي قليلة في الكتاب- فهرسا مستقلا.

المصادر والمراجع: صنعت فهرسا للمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في الدراسة والتحقيق مرتبا لها حسب حروف المعجم مستوفيا المعلومات التي تتعلق بكل منها- قدر الإمكان- كالمحقق، والطبعة وتاريخها والناشر إذا كان الكتاب مطبوعا، فإن كان مخطوطا ذكرت مكان وجوده والرقم الذي يحمله.

الموضوعات: قسمت فهرس الموضوعات إلى قسمين: جعلت الأول لموضوعات الدراسة مرقما بالصفحات. وجعلت الثاني للتحقيق مرقما بالآثار مسلسلا بالأبواب.

هذا وختاما فإني أتوجه بالثناء والشكر والامتنان إلى الله سبحانه وتعالى على ما يسره لي من جهد ووقت.

ثم أقدم تقديري واحترامي لشيخي الفاضل محمد بن عبد الرحمن الراوي على توجيهاته ومتابعته لسير عملى في فترات متعاقبة، كان خلالها مرشدا وموجها بذل من وقته- رغم كثرة المشاغل والأعمال- قدرا كان به قضاء الحاجة وإرواء الغليل.

وأقدم أيضا تقديري وشكري للدكتور/ أحمد معبد على ما خصني به من توجيهات وإرشادات وتصويبات إذ كنت أسأله مرات عديدة عما أشكل علي في مجال التخريج وترجمة الأعلام فألقى منه صدرا رحبا وتوجيها نافعا.

وأشكر أيضا كل من أعانني على تخطي عقبة أو حل إشكال أو استدراك خطأ من أساتذة أو إخوة لنا كرام- كان لهم السبق في هذا الميدان-.

اللهم اجعل عملنا هذا خالصا لوجهك راجحا في ميزان أعمالنا يوم نلقاك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

وتشمل ثلاثة فصول ومدخل:

الفصل الأول: ترجمة شاملة لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي.

الفصل الثاني: دراسة لكتاب الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز.

الفصل الثالث: ذكر لمن صنف في الناسخ والمنسوخ، ذكر لمن أنكر ثبوت النسخ.

المدخل: وصف المخطوط وذكر المنهج الذي سرت عليه في التحقيق والمصطلحات التي ألزمت بها نفسي أثناء ذلك.

وتشمل:

مولده.

العصر الذي عاش فيه: الحالة السياسية- الحالة العلمية.

مكانته وثناء العلماء عليه.

ذكر من أخذ عنهم العلم: شيوخه في القراءات- شيوخه في الحديث- شيوخه في اللغة والأدب- شيوخه في الفقه.

ذكر الذين أخذوا عنه العلم.

عقيدته: مذهبه في الإيمان- مذهبه في الصفات.

أقوال أثرت عنه.

مصنفاته.

وفاته.

ترجمة المؤلف

القاسم بن سلام (بتشديد اللام) (1) أبو عبيد (آخره دال مهملة) التركي (2) الخراساني (3) الهروي (4) المولد والمنشأ، الأزدي (5) الأنصاري (6) الخزاعي (7) بالولاء، الجمحي (8) البغدادي (9) اللغوي (10) الشافعي (11) القاضي (12).

كان أبوه مملوكا روميا لرجل من أهل هراة (13).

مولده

ولد أبو عبيد بهراة (1) سنة أربع وخمسين ومائة (2) وقيل سنة خمسين ومائة (3). وقيل سبع وخمسين ومائة (4).

...

كان الزمن الذي أظل أبا عبيد من أزهى عصور الإسلام إذ بين سنة الستين والمائة وسنة الأربع والعشرين والمائتين وهي الفترة التي عاش خلالها القاسم ابن سلام، تعاقب على خلافة المسلمين فيها ستة من خلفاء بني العباس:

المهدي (5)، الهادي (6) الرشيد (7)، الأمين (8)، المأمون (9)،

المعتصم (1).

وكانت الخلافة لبني العباس قد استقرت في حياة المؤسس الحقيقي أبي جعفر المنصور فاستلمها الذين ورثوا الأمر من بعده ثابتة القواعد موطأة الأكناف (2) يكدر صفوها ثورات في المشرق والمغرب لا تلبث أن تخمد في مهدها.

وكان لاهتمام الخلفاء كالرشيد والمأمون بالعلم وإعلائهم منزلة العلماء أبلغ الأثر في ظهور نهضة علمية في أرجاء ولايات دولة الخلافة في

وخراسان ومصر والحرمين. وأبو عبيد القاسم بن سلام الذي ولد ونشأ وترعرع في هراة ومرو (3) من أعمال خراسان ثم انتقل بعد ذلك إلى كل من بغداد، طرسوس، مصر، مكة، قد تأثر وأثر ب

والعلمية القائمة آنذاك.

الحالة السياسية

كانت خراسان موطنا للثورات والفتن طيلة عهد خلفاء بني العباس. فعلى سبيل المثال في سنة إحدى وستين ومائة خرج رجل يقال له المقنع في قرية من قرى مرو فجهز إليه المهدي عدة من أمرائه وأنفذ إليه جيوشا كثيرة (4).

وفي سنة اثنتين وستين ومائة خرجت طائفة بجرجان (1) فلبسوا الحمرة شعارا لهم فغزاهم عمرو بن العلاء من طبرستان وقهرهم فأبادهم جميعا (2). وفي سنة تسع ومائتين جرت حروب مع بابك الخرمي فأسر بعض أمراء الإسلام وأحد مقدمي العساكر فاشتد ذلك على المسلمين (3). وفي سنة تسع عشرة ومائتين ظهر محمد بن القاسم بن عمر بن علي بن الحسين بالطالقان من خراسان يدعو إلى الرضى من آل محمد واجتمع عليه خلق كثير، وقاتله قواد عبد الله بن طاهر (4) مرات متعددة ثم ظهروا عليه وهرب (5). وهكذا تبين من خلال هذا العرض التاريخى لمسرح الأحداث في خراسان في فترات من الزمن الذي عاصره أبو عبيد مدى ضراوة الوضع السياسي والأمني لتلك البلاد ولم يكن القاسم بن سلام أيام إقامته بخراسان بمعزل عن الأحداث بل كان قريبا من وهجها فلقد كان مؤدبا لآل هرثمة (6)، وهرثمة هذا هو ابن أعين (7) الذي دخل خراسان نائبا عليها

سنة اثنتين وتسعين ومائة من قبل المأمون (1). وكان طاهر بن الحسين (2) لما نزل مرو من خراسان طلب رجلا يحدثه ليلة فقيل ما هاهنا إلا رجل مؤدب فأدخل عليه أبو عبيد القاسم بن سلام فوجده أعلم الناس بأيام الناس والنحو واللغة والفقه فقال له: من المظالم تركك أنت بهذا البلد فدفع إليه ألف دينار وقال له أنا متوجه إلى خراسان إلى حرب وليس أحب استصحابك شفقا عليك فأنفق هذا إلى أن أعود إليك فألف أبو عبيد غريب المصنف إلى أن عاد طاهر من خراسان، فحمله معه إلى سر من رأى (3) وطاهر هذا هو قائد من كبار قواد المأمون قد ولاه خراسان سنة خمس ومائتين (4) أضف إلى ذلك أن أبا عبيد قد لازم عبد الله بن طاهر أيام مقامه واليا على خراسان من قبل المأمون إذ تولى عليها بعد وفاة والده سنة ست ومائتين (5). قال ابن خلكان: وانقطع أبو عبيد إلى عبد الله بن طاهر مدة ولما وضع كتابه الغريب عرضه على عبد الله بن طاهر فاستحسنه وقال: إن عقلا بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق ألا يحوج إلى طلب المعاش وأجرى عليه عشرة آلاف درهم في كل شهر (6) وهكذا يظهر بجلاء ووضوح مدى ما كان يتمتع به أبو عبيد من مكانة عالية لدى ولاة خراسان وأهلها.

بغداد

: لقد عاش أبو عبيد في

دار السلام عاصمة الخلافة مدة من الزمن.

قال الخطيب في تاريخه: كان قد أقام ببغداد مدة ثم ولي القضاء ب

وخرج

بعد ذلك إلى مكة فسكنها حتى مات بها (1) وقال أبو يعلى في طبقات الحنابلة:

قد أقام ببغداد ثم ولي القضاء بطرسوس ثماني عشرة سنة وخرج بعد ذلك إلى مكة فسكنها حتى مات بها (2).

وقد كان أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني قد أنهى بناء بغداد وسكنها سنة ست وأربعين ومائة (3) فظلت مركزا للخلافة في عهد المهدي والهادي والرشيد والأمين فغدا أمرا بدهيا أن تظل في حكمهم موطدة الأركان مزدهرة العمران، عزيزة السلطان يكدر صفوها تلك الثورات والهجمات المتوالية بين الحين والآخر.

وكمثال على ذلك نكبة هارون الرشيد سنة سبع وثمانين ومائة للبرامكة ومحوه آثارهم من مدينة دار السلام، وفي ذلك يقول ابن كثير: قتل جعفر بن يحيى البرمكي، ودمر ديارهم، واندرست آثارهم، وذهب صغارهم وكبارهم اه (4). وهو حدث كبير الخطورة إذ كان للبرامكة من العزة والسلطان عند الرشيد وعامة الناس القدر الذي يضاهي منزلة الخليفة ويكاد يعلو عليه.

على أن أعظم رزية حلت ببغداد محاصرة طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين للخليفة الأمين بدار السلام بأمر من المأمون، وذلك بعد أن نشب النزاع بين الأخوين على إثر نزع الأمين ولاية العهد من أخيه المأمون وجعلها في ابنه موسى.

ولقد أسفر هذا الحصار عن قتل الأمين بعد أن عم الخراب بغداد وأصابها الذعر والجوع، قال ابن كثير يصف تلك الحالة: واشتد الحال على أهل البلد وأخاف الدعار والشطار أهل الصلاح، وخربت الديار وصارت الفتنة بين الناس حتى قاتل الأخ أخاه للأهواء المختلفة، والابن أباه، وجرت شرور عظيمة واختلفت الأهواء وكثر الفساد والقتل داخل البلد (5).

وفي سنة اثنتين ومائتين بويع لإبراهيم بن المهدي بالخلافة في بغداد وخلع خلافة المأمون ولقب بالمبارك فأرسل له المأمون جيشا ألحق به أبلغ الهزيمة فاختفى بعد سنة من ظهوره (1) وفي تلك السنة شخص المأمون من مرو إلى بغداد فقدمها سنة أربع ومائتين وانقطعت مادة الفتن بمقدمه (2).

هذه بعض نماذج من وقائع جرت في مدينة السلام كان لها دون أدنى شك أبلغ الأثر في عرقلة التقدم العلمي والرقي العمراني.

طرسوس (3):

كانت ثغرا من ثغور المسلمين في مواجهة الروم وكانت حياة الثغور يعوزها الاستقرار إذ تتسم بالمرابطة والترقب الدائم تحسبا لأي غارة قد يشنها أعداء الأمة المسلمة من أمم الكفر المجاورة وقد كانت هذه المدينة- مثلها مثل غيرها من الثغور المتاخمة للأعداء- يؤمها الصالحون والأخيار (4) رجاء الحصول على الأجر والفوز من الله جل ثناؤه، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها» رواه البخاري (5).

أقام أبو عبيد في طرسوس ثماني عشرة سنة تولى خلالها منصب القضاء لواليها ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي وقد كان من قبل ذلك مؤدبا لأولاده (6).

وبعد طرسوس نزل أبو عبيد مصر بصحبة يحيى بن معين سنة ثلاث عشرة ومائتين وكتب وصنف بها (1).

وفي سنة تسع عشرة ومائتين وقيل سنة أربع عشرة ومائتين خرج أبو عبيد من العراق إلى مكة للحج (2). فلما عزم العودة إلى العراق واستأجر مركبا بعد الفراغ من حجه رأى رؤيا كانت سببا في مجاورته للبلد الأمين حتى مات.

قال أبو عبيد: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو جالس على فراشه وقوم يحجبونه والناس يدخلون إليه ويسلمون عليه ويصافحونه. قال: فلما دنوت لأدخل مع الناس منعت فقلت لهم: لم لا تخلون بينى وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقالوا: إي والله، لا تدخل إليه ولا تسلم عليه وأنت خارج غدا إلى العراق فقلت لهم: فإني لا أخرج إذا، فأخذوا عهدي ثم خلوا بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت وسلمت وصافحت، فلما أصبح قرر الإقامة في مكة فلم يغادرها حتى مات (3).

: لقد عاش أبو عبيد القاسم بن سلام في أرقى عصور الإسلام من الجانب العلمي والفكري. إذ في العصر العباسي الأول أيام خلافة هارون الرشيد، المهدي، الهادي، المأمون مثلا، ظهر في حاضرة بلاد الإسلام علماء أجلاء قعدوا العلوم وأصلوها وأفردوها بالتصنيف والإضافة والتكميل فكان بحق العصر الذهبي لعلوم هذا الدين.

وقد حفل معظم خلفاء بني العباس بالعلم وأولوه عنايتهم وقربوا العلماء وأعلوا منازلهم كالخليفة المهدي فإنه أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين (4). وهارون الرشيد الذي أحال بغداد قبلة لطلاب العلم

يرحلون إليها من مختلف الأمصار لإتمام ما ابتدءوه من العلوم والفنون، فكانت بمثابة مدرسة عليا لطلاب العلوم الشرعية والعربية. وكان فيها كبار المحدثين والقراء والفقهاء والنحويين وحفاظ اللغة وآداب العرب، وقلما كان يتم لإنسان وصف عالم أو فقيه أو محدث إلا إذا رحل إلى بغداد وأخذ عن علمائها (1).

والمأمون كان عهده من أرقى عهود العلم في عصر بني العباس ساعد على ذلك أمران:

أولهما: اشتغال الخليفة نفسه بالعلم وطلبه منذ نعومة أظفاره فلقد جالس العلماء وأخذ عنهم الحديث والتفسير والفقه واللغة فعلى سبيل المثال قد عمل أبو عبيد غريب الحديث للمأمون وقرأه عليه (2).

وثانيهما: نبوغ الأعداد الغفيرة من العلماء آنذاك في مختلف العلوم (3) إذ امتلأت أرجاء الولايات الإسلامية بكبار الحفاظ والأئمة كالإمام أحمد والبخاري والأصمعي والكسائي، والفراء، وابن المبارك، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح وأمثالهم وأشباههم.

وتبع الخلفاء في الاهتمام بشأن العلم وإعلاء منزلة العلماء كثير من القواد والولاة في هذا العصر أمثال طاهر بن الحسين والي خراسان وابنه عبد الله من بعده وهرثمة بن أعين والي طرسوس.

ولئن كان ذلك كذلك فإني لا أعتبر اهتمام الخلفاء وولاتهم في أي عصر من العصور الزاهرة في تاريخ أمتنا وحده سببا في نبوغ العلماء ووصول الخط البياني للعلم إلى أعلى درجة في الارتفاع. إذ أن البذور لا تستنبت في الهواء ولو لم يلق الخلفاء والولاة نهضة علمية جادة قوية التمكين لما نشأ لديهم الاهتمام بالعلم أصلا ولما وجدوا إبداعا علميا يكافئون عليه أصحابه ومبدعيه. بل إن

الخليفة أحيانا يوصد الأبواب أمام حرية الاتجاه العلمي. ويحاول إكراه ما وصلت يده إليه من العلماء على اعتناق مذهب يرون بطلانه، وشبهة أوضحت لهم الأدلة والنصوص ضلال من انتحلها أو دعا إليها.

ومع هذا تستمر مسيرة هؤلاء العلماء فوق الصخور ومن خلال الأشواك.

لأن حكمة الله جل ثناؤه اقتضت ذلك: إذا أراد الله إعزاز شرعه قيض له من يناوئه. وبعد فإن رصدا عاجلا لشيوخ أبي عبيد الذين تلقى عنهم الحديث والتفسير واللغة والقراءات ليعطي صورة واضحة عن المستوى العلمي الذي كان علماء ذلك العصر يرفلون في حلله.

إن لأبي عبيد من حصافة الرأي ورجاحة العقل وبعد النظر والتمكن من العلم ما جعله يحظى بالمنزلة الرفيعة لدى جلسائه وندمائه ومن عاصره من الولاة والأئمة والحفاظ، ومن وصلت إليهم مصنفاته وسيرته.

قال أبو الحسن النحوي: كان طاهر بن الحسين حين مضى إلى خراسان نزل بمرو فطلب رجلا يحدثه ليلة فقيل: ما هاهنا إلا رجل مؤدب فأدخل عليه أبو عبيد القاسم بن سلام، فوجده أعلم الناس بأيام الناس والنحو واللغة والفقه، فقال له: من الظلم تركك بهذا البلد، ودفع إليه ألف دينار.

ولما عمل أبو عبيد كتاب: غريب الحديث وعرضه على عبد الله بن طاهر استحسنه وقال: إن عقلا بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيق ألا يحوج إلى طلب المعاش فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر (1).

وبينما أبو عبيد في صحبة عبد الله بن طاهر إذ وجه إليه أبو دلف (1) يستهديه أبا عبيد مدة شهرين، فأنفذ أبا عبيد إليه فأقام شهرين بمثابة الأستاذ الزائر، فلما أراد أبو عبيد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم فلم يقبلها وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجنى إلى صلة غيره ولا آخذ ما فيه علي نقص (2).

ولما مات أبو عبيد بمكة نعي إلى عبد الله بن طاهر فرثاه بقصيدة قال فيها:

يا طالب العلم قد مات ابن سلام ... وكان فارس علم غير محجام

مات الذي كان فيكم ربع أربعة ... لم يلف مثلهم إسناد أحكام

حبر البرية عبد الله أولهم ... وعامر ولنعم الثاويا عامي

هما اللذان أنافا فوق غيرهما ... والقاسمان ابن معن وابن سلام (3)

ولقد اتفق أهل عصره في الثناء عليه والاعتراف بعلو قدره وإنزاله مدارج العلماء الكبار، أثنى عليه المحدثون والفقهاء والأدباء وعلماء اللغة ونطقوا في بيان أمانته وورعه وسعة علمه وجودة مؤلفاته وتصانيفه.

قال إسحاق بن راهويه: الحق يحبه الله عز وجل أبو عبيد القاسم بن سلام أفقه مني وأعلم مني وقال: أبو عبيد أوسعنا علما وأكثرنا جمعا. إنا نحتاج إلى أبى عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا (1).

وقال الإمام أحمد: أبو عبيد القاسم بن سلام ممن يزداد كل يوم عندنا خيرا (2).

وقال حمدان بن سهل: سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع منه فتبسم وقال: مثلي يسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد يسأل عن الناس لقد كنت عند الأصمعي يوما إذ أقبل أبو عبيد فشق إليه بصره حتى اقترب منه فقال: أترون هذا المقبل؟ قالوا: نعم. قال: لن تضيع الدنيا أو لن يضيع الناس ما حيى هذا (3).

وقال القاضي أحمد بن كامل: أبو عبيد فاضل في دينه وعلمه متفنن في أصناف علوم الإسلام من القرآن والفقه والعربية والأخبار، حسن الرواية صحيح النقل لا أعلم أحدا من الناس طعن عليه في شيء من أمر دينه (4).

وقال الهلال بن العلاء الرقي: من الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعي تفقه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالإمام أحمد ثبت في المحنة ولولا ذلك لكفر الناس أو قال ابتدعوا، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسر غريب الحديث ولولا ذلك لاقتحم الناس الخطأ (5).

وقال الحاكم: هو الإمام المقبول عند الكل (1).

وقال عمرو بن بحر الجاحظ: ومن المعلمين ثم الفقهاء والمحدثين، ومن النحويين والعلماء بالكتاب والسنة والناسخ والمنسوخ وبغريب الحديث، وإعراب القرآن، وممن قد جمع صنوفا من العلم أبو عبيد القاسم بن سلام، وكان مؤدبا لم يكتب الناس أصح من كتبه ولا أكثر فائدة (2).

وبالغ السيوطى في الثناء عليه فقال: كان أبو عبيد إمام أهل عصره في كل فن من العلم (3).

وقال ابن درستويه الفارسي النحوي؛ كان أبو عبيد ذا فضل ودين وستر ومذهب حسن (4).

وبعد فهذه شخصية أبي عبيد العلمية من خلال شهادات علماء كبار وأئمة حفاظ تتلمذ على بعضهم، والبعض الآخر أخذوا عنه وسمعوا تصانيفه، فكانوا كما قال ابن درستويه: وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد والرواة عنه مشهورون ثقات ذوو ذكر ونبل (5).

أخذ أبو عبيد وسمع القراءات والتفسير والحديث واللغة والأدب، والفقه عن خلائق لا يحصون وسأذكر جملة من بعض هذه الفئات معرفا بكل منهم على جهة الاختصار والإيجاز.

أخذ أبو عبيد القراءة عرضا وسماعا عن قراء مشهود لهم بالإمامة والفضل فكان منهم:

الكسائي: هو علي بن حمزة بن عبد الله بن قيس بن فيروز الأسدي مولاهم الكوفي الكسائي أحد أئمة القراءة والتجويد في بغداد، أخذ القراءة عن حمزة الزيات مذاكرة وقرأ عليه القرآن أربع مرات، يقال أن سبب تسميته الكسائي أنه كان يحضر مجلس حمزة بالليل ملتفا في كساء. وقيل أحرم في كساء فلقب الكسائي، أثنى عليه الشافعي في النحو، وقال ابن الأنباري كان أعلم الناس بالنحو والعربية والقراءات، مات بالري سنة ثمانين ومائة. وقيل سنة تسع وثمانين ومائة وقيل غير ذلك (1).

شجاع بن أبي نصر البلخى أبو نعيم المقري، قال أبو عبيد القاسم ابن سلام: حدثنا شجاع بن أبي نصر وكان صدوقا مأمونا، سئل عنه أحمد بن حنبل فقال: بخ بخ، وأين مثله اليوم، توفي شجاع ببغداد سنة تسعين ومائة (2).

إسماعيل بن جعفر القاري: هو إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي مولاهم أبو إسحاق القاري. أخذ القراءة عرضا على شيبة بن نصاح وبرع في القراءة فنزل بغداد ونشر بها علمه وأقرأ بها، قال ابن معين:

إسماعيل بن جعفر ثقة مأمون قليل الخطأ، توفي ببغداد سنة ثمانين ومائة (3).

حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبو محمد مولى سليمان بن مجالد ترمذي الأصل، سكن بغداد ثم تحول إلى المصيصة قال الإمام أحمد:

ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف، مات ببغداد سنة ست ومائتين وقال في التقريب: ثقة ثبت لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته (1).

أبو مسهر: عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى بن مسلم الغساني أبو مسهر الدمشقي، قال أحمد: رحم الله أبا مسهر ما كان أثبته، وقال ابن حبان كان إمام أهل الشام في

الحفظ والإتقان. أخذ القراءة عرضا عن أيوب بن تميم القارئ ونافع بن أبي نعيم، روى القراءة عنه أبو عبيد. ولد سنة أربعين ومائة ومات محبوسا بسبب الفتنة بالقرآن بالعراق سنة ثمان عشرة ومائتين (2).

هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة أبو الوليد السلمي، إمام أهل دمشق وخطيبهم ومقرئهم ومحدثهم وفقيههم، ولد سنة ثلاث وخمسين ومائة، روى القراءة عنه أبو عبيد القاسم بن سلام قبل وفاته (3) بنحو أربعين سنة، مات سنة خمس وأربعين ومائتين وقيل سنة أربع وأربعين (4).

سليمان بن داود بن حماد بن سعد الرشديني، أبو الربيع المهري المصري، المقري كان من جلة القراء وعبادهم، ولد سنة ثمان وسبعين ومائة، وتوفي في أول ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين ومائتين (5).

سليم بن عيسى بن سليم بن عامر بن غالب، أبو عيسى ويقال أبو محمد الحنفي مولاهم الكوفي المقري، صاحب حمزة الزيات، وأخص تلامذته، وأحذقهم بالقراءة وأقومهم بالحرف. حتى إن رفقاءه في القراءة على حمزة قرءوا عليه لإتقانه.

قال الدوري: حدثنا الكسائي، قال: كنت أقرأ على حمزة فجاء سليم فتلكأت فقال لي حمزة: تهاب سليما ولا تهابني، فقلت يا أستاذ أنت إن

أخطأت قومتني وهذا إن أخطأت عيرني. ولد ابن عامر سنة ثلاثين ومائة، وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة وقيل سنة تسع وثمانين ومائة (1).

يحيى بن آدم بن سليمان بن خالد بن أسيد أبو زكريا الصلحي، إمام كبير حافظ.

سئل الإمام أحمد بن حنبل عنه فقال: ما رأيت أحدا أعلم ولا أجمع للعلم منه وكان عاقلا حكيما، توفي يوم النصف من ربيع الآخر سنة ثلاث ومائتين بفم الصلح قرية من قرى واسط (2).

: 1 - إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي أبو عتبة الحمصي، قال الإمام أحمد: ليس أحدا أروى لحديث الشاميين من إسماعيل بن عياش. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش، وقال علي بن المديني: كان يوثق فيما روى عن أصحابه أهل الشام فأما ما روى عن غير أهل الشام ففيه ضعف، وقال أبو حاتم: لين يكتب حديثه، وقال في التقريب: صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين، وله بضع وتسعون سنة (3).

إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، وقد مر له ترجمة (4).

هشيم- بالتصغير- بن بشير: ابن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية بن أبي خازم الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة وقد قارب الثمانين (5).

شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق، يخطئ كثيرا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلا عابدا، شديدا على أهل البدع من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومائة (1).

عبد الله بن المبارك: المروزي مولى بني حنظلة ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة وله ثلاث وستون (2).

أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحناط مشهور بكنيته والأصح أنها اسمه، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومائة وقد قارب المائة (3).

جرير بن عبد الحميد بن قرط- بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة- الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل كان في آخر عمره يهم من حفظه، مات سنة ثمان وثمانين ومائة وله إحدى وسبعون سنة (4).

سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفى ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره وكان ربما دلس لكن عن الثقات من رءوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ثمان وتسعين وله إحدى وتسعون سنة (5).

هشام بن عمار: وقد سبق له ترجمة (1).

إسماعيل بن علية: هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري المعروف بابن علية، ثقة حافظ من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة وهو ابن ثلاث وثمانين سنة (2).

يزيد بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومائتين وقد قارب التسعين (3).

يحيى بن سعيد بن فروخ- بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة- التميمي، أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة وله ثمان وسبعون سنة (4).

حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبو محمد قد سبق له ترجمة (5).

أبو معاوية الضرير: هو محمد بن خازم- بمعجمتين- الكوفى عمي وهو صغير، ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومائة وله اثنتان وثمانون وقد رمي بالإرجاء (6).

عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة، ثبت، حافظ، عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني:

ما رأيت أعلم منه، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة (7).

أبو زيد الأنصاري: هو سعيد بن أوس بن ثابت بن بشير بن قيس ابن زيد بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي البصري النحوي اللغوي الإمام الأديب، يروى عن أبي عبيدة والأصمعى أنهما سئلا عن أبي زيد الأنصاري فقالا: ما شئت عن عفاف وتقوى وإسلام. توفي بالبصرة سنة خمس عشرة ومائتين في خلافة المأمون وقد جاوز التسعين (1).

أبو عبيدة معمر بن المثنى: هو أبو عبيدة البصري مولى بني تيم قريش، كانت ولادته في رجب سنة عشر ومائة، من أعلم الناس باللغة وأنساب العرب وأخبارها وأول من صنف غريب الحديث، توفي سنة ثمان ومائتين وقيل بعد ذلك (2).

الأصمعي: عبد الملك بن قريب بن عبد الملك، أبو سعيد الأصمعي، صاحب اللغة والنحو والغريب والأخبار والملح، مات سنة سبع عشرة ومائتين وقيل قبل ذلك بالبصرة وعمره ثمان وثمانون سنة (3).

أخذ أبو عبيد الفقه عن الإمام الشافعي والتقى بالإمام أحمد بن حنبل فأخذ عنه وتأثر به.

الشافعي: محمد بن إدريس بن العباس أبو عبد الله الشافعي الإمام زين الفقهاء، وتاج العلماء، ولد بغزة من بلاد الشام وقيل باليمن، ونشأ بمكة

وكتب العلم بها وبمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وقدم بغداد وحدث بها وخرج إلى مصر فنزلها إلى حين وفاته، أثنى عليه الإمام أحمد فقال: (إن الله تعالى يقيض للناس في كل رأس مائة سنة من يعلمهم السنن وينفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز وفي رأس المائتين الشافعي رضى الله عنه). توفي أبو عبد الله ليوم بقي من رجب سنة أربع ومائتين (1). ولقد تفقه أبو عبيد علي الشافعي وتناظر معه في القرء هل هو حيض أو طهر إلى أن رجع كل منهما إلى ما قاله الآخر. قال السبكى فى طبقاته: كان الشافعي يقول إنه الحيض وأبو عبيد يقول إنه الطهر فلم يزل كل منهما يقرر قوله حتى تفرقا. وقد انتحل كل واحد منهما مذهب صاحبه وتأثر بما أورده من الحجج والشواهد. قال السبكي: قلت: وإن صحت هذه الحكاية ففيها دلالة على عظمة أبي عبيد فلم يبلغنا عن أحد أنه ناظر الشافعي ثم رجع الشافعي إليه

(2).

أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد أبو عبد الله إمام المحدثين، الناصر للدين، والمناضل عن السنة، والصابر في المحنة مروزي الأصل، قدمت أمه بغداد وهي حامل فولدته ونشأ بها وطلب العلم وسمع الحديث من شيوخها ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة وسمع وكتب عن الكثير من علماء عصره، توفي يوم الجمعة في الضحى سنة إحدى وأربعين ومائتين (3).

أمر بدهي أن تجد عالما كبيرا كأبي عبيد ممن عرف بثقته وأمانته وسعة علمه وإتقانه لمعارف عديدة كالقرآن وعلومه والحديث واللغة والأدب .. أن تجد مثل هذا الرجل قد شدت إليه الرحال والتف حوله طلاب العلم وعاشوا في صحبته فخلف من التلاميذ والمستفيدين بعلمه خلائق لا يحصون كانوا كما قال القفطي في إنباه الرواة: وعادت بركة أبي عبيد رحمه الله على أصحابه فكلهم نبغ في العلم واشتهر ذكره، وأخذ عنه وتصدر للإفادة (1).

وسأذكر جملة ممن رووا عنه أو تتلمذوا عليه وصحبوه مستغنيا بمن أذكر عمن أدع منهم وأغفل:

ابن أبي الدنيا: هو عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان القرشي مولاهم، أبو بكر بن أبي الدنيا البغدادي، صدوق حافظ، مات سنة إحدى وثمانين ومائتين، وله ثلاث وسبعون (2).

نصر بن داود الصاغاني: أبو منصور، سكن بغداد وحدث بها عن جماعة منهم أبو عبيد القاسم بن سلام وكان صاحبا له، مات سنة إحدى وسبعين ومائتين (3).

علي بن عبد العزيز البغوي وسيأتي إفراده بترجمة مستقلة.

محمد بن إسحاق الصاغاني: أبو بكر، نزيل بغداد، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة سبعين ومائتين (4).

أحمد بن يوسف أبو عبد الله التغلبي، قال عبد الله بن الإمام أحمد: أحمد بن يوسف التغلبى ثقة، توفي يوم الجمعة أول يوم من رجب سنة ثلاث وسبعين ومائتين (5).

الحارث بن محمد بن أبي أسامة: اسمه زاهر، ولد في شوال سنة ست وثمانين ومائة، قال الدارقطني: صدوق، وقال إبراهيم الحربي لمن سأله عن سماع الحديث منه: اسمع منه فإنه ثقة مات ليلة عرفة سنة اثنتين وثمانين ومائتين (1).

محمد بن يحيى المروزي: هو محمد بن يحيى بن سليمان بن زيد بن زياد، أبو بكر، مروزي الأصل حدث عن أبي عبيد القاسم بن سلام، ذكره الدارقطني فقال: صدوق، مات في شوال سنة ثمان وتسعين ومائتين (2).

أحمد بن القاسم صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام، كان من أهل العلم والفضل (3).

إن زيغ العقيدة وانحرافها لدى عالم ما أو صفاءها وسلامتها من الشبه والأوهام، له أبلغ الأثر في مدى سلامة آرائه ومصنفاته من الخلل والتحيز والجور.

فالنحوي المبتدع يلجأ في كثير من الأحيان إلى إعراب النصوص على وجه يخرجها عن ظاهرها لتأييد مذهب باطل يعتنقه، واللغوي المبتدع تجده أيضا يبين غرائب النص من خلال الشاذ والمستنكر من المعاني والمحدث المبتدع قد يضعف أحاديث ويصحح أخرى وفقا لما يؤيد بدعته ويروج باطله ضاربا صفحا عن موازين أهل الحديث في الصحة والضعف.

والمفسر المبتدع يصرف دلالات نصوص الكتاب عن ظاهرها ويدخل فيها

دلالات وأحكاما لا تحتملها النصوص. وهكذا ... لذا كان لزاما علي أن أتتبع عقيدة أبي عبيد فأكشف عن مدى صفائها وسلامتها من الابتداع مستندا في ذلك الكشف على نصوص توثيقية- أقوال ومواقف- سجلت لأبي عبيد.

الإيمان:

مذهب أبي عبيد في

مذهب أهل السنة والجماعة فى أن الإيمان اعتقاد القلب مع قول اللسان وعمل الجوارح، تبين لنا ذلك بما ثبت عنه في كتابه الإيمان إذ يقول: اعلم رحمك الله أن أهل العلم والعناية بالدين افترقوا في هذا الأمر- أي الإيمان- فرقتين:

فقالت إحداهما: الإيمان بالإخلاص لله بالقلوب وشهادة الألسنة وعمل الجوارح.

وقالت الفرقة الأخرى: بل الإيمان بالقلوب والألسنة فأما الأعمال فإنما هي تقوى وبر وليست من الإيمان.

ثم بين أبو عبيد مذهبه في ذلك فقال: وإنا نظرنا في اختلاف الطائفتين فوجدنا الكتاب والسنة يصدقان الطائفة التي جعلت الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا وينفيان ما قالت الأخرى (1).

وقد انتقد أبو عبيد الفئات الضالة في مفهوم الإيمان كالجهمية القائلين بأن الإيمان هو معرفة القلب فكان مما قال: ثم حدثت فرقة ثالثة شذت عن الطائفتين جميعا ليست من أهل العلم ولا الدين فقالوا: الإيمان معرفة بالقلوب بالله وحده وإن لم يكن هناك قول ولا عمل. وهذا منسلخ عندنا من قول أهل الملل الحنفية لمعارضته لكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالرد والتكذيب (2). وأبطل أيضا مفهوم الإيمان عند كل من المعتزلة القائلين: إن الإيمان بالقلب واللسان مع اجتناب الكبائر فمن قارف شيئا كبيرا زال عنه الإيمان ولم يلحق بالكفر، والخوارج

القائلين بكفر مرتكب الكبيرة وخروجه من الإيمان والأباضية القائلين بأن من ترك شيئا من الطاعات كان كافر نعمه وليس بكافر شرك، والصفرية القائلين بأن المعاصي صغارها وكبارها كفر وشرك ما فيه إلا المغفور منها خاصة، والفضلية القائلين بأن المعاصي كلها كفر وشرك ما غفر منها وما لم يغفر (1).

الصفات:

سلك أبو عبيد في نصوص

مسلك أهل السنة والجماعة من إمرار النصوص كما جاءت واعتقاد أن ظاهرها مراد مع عدم التعرض لها بتكييف أو تمثيل أو تشبيه أو تعطيل.

روى الذهبي في كتابه العلو: عن أبي الحسن الدارقطني قال: حدثنا محمد بن مخلد قال: حدثنا العباس الدوري قال: سمعت أبا عبيد وذكر الباب الذي يروى فيه حديث الرؤية (2) والكرسي وموضع القدمين، وضحك ربنا، وحديث: أين كان ربنا؟ فقال: (3) ولكن إذا قيل لنا كيف وضع قدمه؟

وكيف يضحك؟ قلنا: لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدا يفسره.

ثم علق الإمام الذهبي بعد ذكره لهذه الرواية فقال: وما تعرض (4) لأخبار الصفات بتفسير بل عنده أن لا تفسير لذلك غير موضع الخطاب العربي (5).

ولقد كان أبو عبيد رحمه الله ورضي عنه يزن الرجال بميزان العقيدة. فتهبط مكانة أقوام لديه بسبب خلل في معتقداتهم وشبه ألقاها الشيطان في قلوبهم فأظهرها الله على فلتات ألسنتهم.

قال الدوري: سمعت أبا عبيد- وذاكروه عن رجل من أهل السنة- يقول: هذه الأحاديث التي تروى في الرؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ

وأشباه هذه الأحاديث حق. فقالوا: إن فلانا يقول: يقع في قلوبنا أن هذه الأحاديث حق.

قال أبو عبيد: ضعفتم عندي أمره، هذه حق لا شك فيها، رواها الثقات بعضهم عن بعض، إنا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نفسرها، ولم يدرك أحد تفسيرها (1).

كما كان أبو عبيد شديدا على أهل الأهواء والبدع، خاصة منهم أولئك الذين لا ينفع معهم المجادلة بالحجة والبرهان، وفي ذلك يقول: عاشرت الناس وكلمت أهل الكلام، فما رأيت قوما أضعف ولا أوسخ ولا أقذر ولا أضعف حجة ولا أحمق من الرافضة، ولقد وليت قضاء الثغر فأخرجت منهم ثلاثة:

جهميين ورافضيا، أو رافضيين وجهميا وقلت: مثلكم لا يجاور الثغور (2).

قال أبو عبيد: مثل الألفاظ والمعاني الظريفة مثل القلائد اللائحة فى الترائب الواضحة (3).

قال علي بن عبد العزيز: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول:

المتبع للسنة كالقابض على الجمر وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله عز وجل (4).

قال الألباني معقبا على ذلك: قلت هذا في زمانه فماذا يقال في زماننا (1).

قال أبو عبيد: إني لأتبين في عقل الرجل أن يدع الشمس ويمشي في الظل (2).

قال أبو عبيد: ربانيو العلم أربعة: فأعلمهم بالحلال والحرام أحمد ابن حنبل، وأحسنهم سياقة للحديث وأداء له علي بن المديني وأحسنهم وضعا لكتاب ابن أبي شيبة، وأعلمهم بصحيح الحديث يحيى بن معين (3).

قال أبو عبيد: من شكر العلم أن تقعد مع كل قوم فيذكرون شيئا لا تحسنه فتتعلم ثم تقعد بعد ذلك في موضع آخر، فيذكرون ذلك الشيء الذي تعلمته فتقول: والله ما كان عندي شيء حتى سمعت فلانا يقول كذا وكذا فتعلمته فإذا فعلت ذلك فقد شكرت العلم (4).

عرف أبو عبيد لدى معاصريه ومن جاء بعده من العلماء الأئمة بأنه اللغوي، المحدث، المفسر، المقرئ، الفقيه، المؤدب. صاحب التصانيف فكان كما وصفوه وعرفوه بل أعظم شأنا وأكبر قدرا من ذلك.

صنف في فنون وألوان من العلم مختلفة، فروى الناس من كتبه المصنفة بضعة وعشرين كتابا في القرآن والفقه وغريب الحديث والغريب المصنف والأمثال ومعاني الشعر (5).

فمنها على سبيل الإجمال:

في الغريب: الغريب المصنف، غريب الحديث، غريب القرآن.

في اللغة والأدب: كتاب الشعراء، الأمثال السائرة، كتاب النسب كتاب المذكر والمؤنث، كتاب الأجناس، من كلام العرب، كتاب فعل وأفعل.

في القرآن وعلومه: كتاب القراءات، كتاب المقصور والممدود، كتاب عدد آي القرآن، كتاب معاني القرآن، كتاب فضائل القرآن، كتاب الناسخ والمنسوخ، كتاب شواهد القرآن.

في الفقه: كتاب الإيمان والنذور، كتاب الحيض، كتاب الطهارة كتاب الحجر والتفليس، كتاب الأموال، كتاب أدب القاضي على مذهب الشافعي، كتاب الأحداث، كتاب الطهور.

في الاعتقاد والمواعظ: كتاب الإيمان، كتاب مواعظ الأنبياء.

ومن مؤلفاته أيضا كتاب الإيضاح.

وبعد هذا الإجمال سنورد بعضا من مصنفات أبي عبيد التي وصلت إلينا حسب علمى وما كان منها مطبوعا محققا وما لم يكن كذلك:

الأموال: قام بتحقيقه والتعليق عليه محمد خليل هراس أحد علماء الأزهر، طبع عدة طبعات إحداها عام 1401 ه، من منشورات مكتبة الكليات الأزهرية، ودار الفكر وتقع صفحاته في خمسمائة وتسع وخمسين صحيفة.

كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته: حققه محمد ناصر الدين الألباني من منشورات دار القلم. الكويت، وهو عبارة عن رسالة صغيرة في موضوع الإيمان يقع فى نحو من خمسين صحيفة.

كتاب الإيضاح منه مخطوط في مكتبة فاس أول (القرويين) (1).

كتاب الأمثال: توجد نسخة خطية برواية ابن خالويه فى كوبريلي 1219، وفي باريس أول 3969، وفي الموصل 206، وفي المتحف البريطاني ثاني 995، ويوجد أيضا برواية تلميذه أبي الحسن علي بن عبد العزيز في مانشستر 773، ومنه مخطوط عن نسخة بخط المؤلف مع زيادات أخرى فى اسكوريال ثاني 1757 (2) وقد ذكر الزركلي في الأعلام أن كتاب الأمثال من ضمن مصنفات أبي عبيد المطبوعة (3).

كتاب الخطب والمواعظ: يوجد في ليبزج أول 158 (4).

كتاب غريب الحديث: يقع في أربع مجلدات من الحجم المتوسط مقدار صفحات الواحد منها قرابة خمسمائة صفحة خرجت طبعته الأولى سنة 1384 ه/ طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن الهند.

الغريب المصنف: بقيت من الكتاب نسخ خطية في أيا صوفيا 4706، والقاهرة أول 4: 176، ولندبرج كتبت سنة 489، وأمبروزيانا ثاني 1650، كتبت سنة 384، وفاتح 4008 (5).

وقد ذكر الزركلي بأنه مطبوع في مجلدين (6).

فضائل القرآن: يقع في أربعمائة صفحة دراسة وتحقيق الطالب محمد تجاني جوهري نال به درجة الماجستير جامعة الملك عبد العزيز سنة 1393 ه بإشراف الدكتور محمد مصطفى الأعظمي. والكتاب لم يطبع بعد.

الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن وهو موضوع هذه الرسالة وسأفرده بدراسة مستقلة مفصلة إن شاء الله.

وفاته

ذكرت أغلب المصادر المترجمة لأبي عبيد أن

كانت في سنة أربع وعشرين ومائتين في البلد الأمين مكة حرسها الله (1) وقيل بالمدينة (2).

وحكيت أقوال أخرى في سنة وفاته فقيل:

توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين (3).

توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين (4).

توفي سنة خمس وعشرين ومائتين (5).

توفي سنة ثلاثين ومائتين (1).

والمعتبر من ذلك سنة أربع وعشرين ومائتين إذ عليه الأكثر وقد أكده ابن حجر في تهذيبه واعتبره الأصح (2).

وتبع الاختلاف في سنة وفاته تحديد العمر الذي عاشه، فالذي عليه الأكثر ممن ترجموا له أن عمره سبع وستون سنة (3)، وقيل كان عمره ثلاثا وسبعين سنة (4).

ويشمل:

نسبته إلى المؤلف.

منهج المؤلف في تصنيفه للكتاب.

المميزات التي انفرد بها الكتاب.

المآخذ التي لاحظتها عليه.

مفهوم أبي عبيد لمصطلح الناسخ والمنسوخ.

رمز أبو عبيد لكتابه الذي بين أيدينا باسم الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن.

وبعد التتبع للموضوعات التي ضمنها أبو عبيد كتابه هذا تبين لي مدى ما كان عليه من الوفاء في أداء حق هذا العنوان الذي صدر به الكتاب.

إذ تحدث في مقدمته عن معنى النسخ وأنواعه موثقا ما يذكره بالأدلة المتصلة بأسانيدها عن الصحابة والتابعين.

وأطال النفس في معالجة الآيات الناسخة والمنسوخة، أو المدعى عليها النسخ، وفى ثنايا ذلك تجده يناقش النصوص القرآنية التي يوردها مستنبطا منها ما تضمنته من الفرائض والسنن. معرجا أحيانا على النسخ في السنة بعد ذكره للنسخ في القرآن.

وإليك أمثلة يستوحى منها مجاوزة أبي عبيد لمجال الناسخ والمنسوخ في القرآن:

يقول في باب الصلاة: فهذا ما في الصلاة من القرآن فأما نسخها في السنة

ويقول في باب الحدود: فهذا ما نسخ من حدود القرآن، وأما ما نسخ من حدود السنة

ويصدر باب أهل الذمة بقوله: باب الحكم بين أهل الذمة وما فيه من النسخ في الكتاب والسنة.

كما تجده أحيانا أخر يتناول بعض القضايا البعيدة تمام البعد عن موضوع النسخ:

ففي باب الصيام ناقش حكم الإفطار للمسافر فاستعرض التخيير والاستحباب والكراهة وبسط الأدلة لذلك. وإن كانت هذه القضية بمعزل عن النسخ إلا أن الذي جرأ أبا عبيد على خوض غمارها ارتباطها بآيات الصيام في البقرة تلك الآيات المشتملة على ناسخ الصيام ومنسوخة.

وفي باب الطلاق ناقش مسألة الخلع لمن يكون؟ للأزواج! أم للسلطان؟.

وإن كانت هذه القضية لا صلة لها بالنسخ إلا أن الداعي لإيرادها عند أبي عبيد تعلقها بقضية أخرى وهي أخذ العوض في الخلع المخصص للنهي الوارد في آية النساء: وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ... (1).

وبعد فإن المتأمل لموضوعات هذا الكتاب يتراءى له مجاوزة مؤلفه لقضية النسخ في القرآن إلى قضية أخرى معها وهى عبارة عن مجموعة من الفرائض والسنن كامنة في آيات القرآن الكريم.

يعتبر كتاب الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن ضمن مصنفات أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي وذلك باتفاق علماء السلف والخلف، إذ لم يرد لأحد منهم قول خلاف ذلك.

وبين يدي شهادات كثيرة متنوعة تدل كلها على صحة هذه الدعوى يمكن إدراجها تحت التقسيم التالي:

أولا: أن المخطوط الذي عليه اعتمدت في إخراج هذا الكتاب قد اشتمل على سماعات تضمنت التصريح باسم الكتاب منسوبا لأبي عبيد (2).

ثانيا: أن كثيرا من أهل التراجم أورد هذا الكتاب من بين المصنفات التي خلفها أبو عبيد (3).

ثالثا: جاء ذكر هذا الكتاب منسوبا إلى أبي عبيد في بعض أمهات كتب السلف في التفسير والحديث فمن ذلك:

قال ابن كثير: قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ أخبرنا حجاج بن محمد

(1).

وقال أيضا عند تفسيره لآية: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة (2) وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشح حدثنا أبو خالد عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ذكر عنده الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك قال: كان يقال: نسختها التى بعدها وأنكحوا الأيامى منكم (3) قال: كان يقال الأيامى من المسلمين، وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ عن سعيد بن المسيب (4).

وقال البيهقي بعد أن ذكر أثرا عن عبد الله بن عمرو بن عثمان: أن امرأة صامت حاملا فاستعطشت فسئل عنها ابن عمر فأمرها أن تفطر

قال: ذكره أبو عبيد في كتاب الناسخ والمنسوخ

(5).

سار أبو عبيد في معالجة قضايا هذا الكتاب على منهج محدد المعالم مميز السمات يمكن الإشارة إليه من خلال النقاط التالية:

أولا: اعتناؤه بالإسناد إذ ليس في الكتاب حديث أو أثر إلا وجاء مسندا إلى قائله ما عدا القليل النادر جدا.

ثانيا: تقسيم أبواب الكتاب تدرجا حسب أبواب الفقه فجاءت أبوابه كالتالي: باب ذكر الصلاة ومعرفة ما فيها من الناسخ والمنسوخ، الزكاة وما فيها من ذلك، ذكر الصيام وما نسخ منه، النكاح وما جاء فيه من النسخ، الطلاق وما جاء فيه وهكذا

إلى آخر الكتاب إذ بلغت أبوابه تسعا وعشرين من غير المقدمة.

ثالثا: يعرض في الغالب مسائل الخلاف عرضا علميا يورد فيه قول كل فريق وأدلته مناقشا أحيانا أدلة الخصوم مرجحا بالأدلة الثابتة ما يرى أنه المختار، فهو أشبه بطريقة الطبرى في تفسيره إذ يورد كل منهما الراجح من الأقوال بعد عرض الخلاف بأدلته، يورد الأول ذلك بصيغة: قال أبو جعفر، ويورد الثاني ذلك بصيغة: قال أبو عبيد.

رابعا: سار في مفهوم النسخ على منهج السلف الشامل واعتمد عليه في الحكم على النصوص. وسأفرد لذلك عنوانا مستقلا: مفهوم أبي عبيد لمصطلح الناسخ والمنسوخ.

خامسا: لم يقتصر المؤلف على النسخ في القرآن الكريم بل ناقش النسخ في السنة، كما تحدث عن عدد من الفرائض والأحكام في الآيات التى أوردها في الكتاب وقد مر بنا أمثلة لذلك في الموضوع الذي قبل هذا.

إن المطلع على كتاب الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز لأبي عبيد يظفر بكتاب امتاز بمزايا عدة من جودة التصنيف وحسن التبويب والأمانة العلمية في الغالب عند الأخذ والترك والقبول والرفض- لأي حكم من الأحكام المدعى عليها- بأنها مما تضمنه نص في الكتاب العزيز، أو المدعى عليها بأنها من المنسوخ.

كما يظفر بقدرة أبي عبيد على الجمع بين النصوص والآثار التي ظاهرها التعارض وقدرته على استنباط الأحكام من مواطنها في نصوص الكتاب.

وإليك شواهد من صلب الكتاب من خلالها تتضح المزايا التى تحلى بها أبو عبيد أثناء معالجته للقضايا والأحكام:

اعتماده في صناعة أبواب الكتاب طريقة لم يتقدمه إليها أحد فيما أعلم ولم يحذ مسلكه ممن جاء بعده ممن صنف في الناسخ والمنسوخ. إذ قسمه إلى ثلاثين بابا حسب الموضوعات أولها فضل علم الناسخ والمنسوخ وتأويل النسخ ثم أعقبه بذكر أبواب في: الصلاة، الزكاة، الصيام، النكاح، الطلاق، الحدود، الشهادات، شهادة أهل الكتاب، المناسك، الجهاد، الأسارى، المغانم، الاستئذان، المواريث، الوصية، اليتامى، الحكم بين أهل الذمة، الطعام، الشراب، السكر، قيام الليل، النجوى، التقوى، التوبة عند الموت، توبة القتل، مؤاخذة العباد بما تخفي النفوس، الإكراه في الدين، الاستغفار للمشركين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفي كل باب من هذه أورد الآيات المدعى عليها النسخ مما له تعلق بالباب وناقشها.

وإنما اعتبرت تبويبه على درجة من الحسن والجودة لأن علم الناسخ والمنسوخ مجاله الأحكام واعتماد المسلك الفقهي في معالجة قضايا النسخ أدعى إلى حصر النصوص محكمها ومنسوخها في الباب الواحد فيحصل بذلك تيسير الانتفاع وتسهيل الطلب.

ما يتصل بتأويله للآيات ومناقشته للخلاف والوصول إلى الراجح فإنك تجده مثلا في المقدمة استعرض معنى قوله تعالى: أو ننسها والقراءات فيها ثم ذكر المعنى الراجح لديه في تأويلها (1).

كما تجده في باب الصيام في معرض ذكره للقضاء والإطعام لكل من الحامل والمرضع والخلاف فيه، ذكر الراجح لديه في كل منهما (1).

وما يتعلق بالجمع بين الآثار التي ظاهرها التعارض فإنك تجده بعد ذكره لأقوال الذين ذهبوا إلى تحريم نكاح المرأة الفاجرة وذكره لأقوال الذين ذهبوا إلى إباحة نكاحها يوفق بين التعارض بحمل قول من قال بالإباحة أنه مخصوص بالتوبة، فإن بدر منها توبة بعد فجورها حل نكاحها (2).

وفي مجال الرد على المخالفين في مسائل النزاع تلمس فيه قوة الرد وشدة المقارعة للخصوم بالحجة والبيان وكمثال على ذلك: قوله في باب شهادة أهل الكتاب بعد ذكره للخلاف في تأويل آية الوصية في السفر ومن المعنى بقوله: اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم. يقول: وأما تأول الحسن: من قبيلتكم أو من قبيلة غيركم، فكيف يصير أهل المخاطبة بالآية من غيرهم وإنما خاطب الله بها أهل التوحيد كافة. فقال عز وجل: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم فلم يبق أحد منهم إلا قد خوطب بها، فكيف يجوز أن يقال: من غيركم؟ إلا من كان خارجا منها، وأما قول ابن شهاب: إنها في أهل الميراث يتهم بعضهم بعضا فأنى يكون هذا؟ وإنما سماها الله لنا شهادة ثم أعاد ذكرها في الآية وأبداه مرارا فقال: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم وقال:

لشهادتنا أحق من شهادتهما وقال: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها (3).

وهذا يتأولها في الادعاء من بعض الورثة على بعض فإنما هم مدعون ومدعى عليهم، فأين الشهادة من الدعوى؟ وكيف يقال للمدعي شاهد، فهذان نوعان من التأويل لا أعرف لهما وجها، وليس أحد من الناس إلا وقد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم (4).

وفى مجال استنباط الأحكام من النصوص وتوسيع مدلولها وإدخال ما ليس فيه نص تحت حكم ما دل عليه النص للتشابه بين القضيتين. تجد أبا عبيد أبدع في هذا المجال وأجاد إذ يقول في باب اليتامى: ومخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ولا يجد بدا من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم قدر ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان فجاءت هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه وذلك قوله عز وجل: وإن تخالطوهم فإخوانكم (1).

ثم قال أبو عبيد: وهذا عندي أصل للشاهد الذي تفعل الرفاق في الأسفار ألا ترى أنهم يتخارجون النفقات بالسوية، وقد يتباينون في قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل طعامه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه، فلما جاء هذا في أموال اليتامى واسعا، كان في غيرهم بحمد الله ونعمته أوسع لولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس (2).

أيا كانت جهود البشر فهي عرضة للقصور والنقص والخطأ، وما من إنتاج علمي بلغ الذروة فوصل به صاحبه من جودة التصنيف وجمال التأليف مبلغا لم يسبق إليه إلا وسيأتى بعده من يستدرك عليه ويرصد هفواته ويكشف عن مواضع النقص فيه. وليس القيام بهذا العمل دليلا على تفوق من قام به على من استدرك عليه إذ قد يستدرك العاجز عن التصنيف على من بلغت مصنفاته الآفاق وتداولها الناس، وانتفعوا بها على مر الأعصار.

ومن هنا سمحت لنفسي أن أتطاول على أبي عبيد في مصنفه «الناسخ والمنسوخ» فأسجل أمورا اعتبرتها من المآخذ عليه، فإن أكن وفقت للسداد، فذلك ما كنت أرجوه، وإن كانت الأخرى فحسبي ما بذلت من جهد.

اقتصر عند ذكره للصلاة علي النبي صلى الله عليه وسلم على لفظة: صلى الله عليه، وهذا أسلوب مستغرب لم أجد أن أحدا من علماء السلف اصطلح عليه، مما يوهم القارئ للكتاب أن مؤلفه يسقط مشروعية السلام على النبي صلى الله عليه وسلم مع الصلاة عليه وذلك ثابت بنص الكتاب في قوله جل ذكره: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (1).

ولقد التزم أبو عبيد هذا الأسلوب في الصلاة على النبي في كتابه:

«الناسخ والمنسوخ» في معظم المواطن التى ورد فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، كما التزمه كذلك في كتابه الإيمان، بينما في كتبه الأخرى فضائل القرآن، الأموال، غريب الحديث، ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بكمالها.

تركه للترجيح في قضايا ادعى عليها أقوام النسخ وخالفهم فيها آخرون إذ عرض أقوال الطرفين وسكت فلم يتتبع الخلاف ولم يورد المذهب الذي يميل إليه.

وكمثال على ذلك: في باب الزكاة عند ذكره لآية النساء وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (2).

أورد الخلاف في إحكام الآية أو نسخها فبسط أقوال القائلين بالإحكام وأقوال المدعين للنسخ ثم ترك الأمر من غير ترجيح أو تعقيب (3).

وفي باب الحدود عند ذكره لآية المائدة فاحكم بينهم أو أعرض عنهم (4) ودعوى نسخها بآية: وأن احكم بينهم بما أنزل الله (5) تجده أورد

الآثار الدالة على النسخ والآثار الدالة على الإحكام ثم ترك الأمر بلا ترجيح أو تعقيب (1).

أبو عبيد عند تناوله لبعض أبواب الكتاب يكتفي بإيراد الآثار والأحاديث ذات الصلة الوثيقة بالموضوع دون أدنى مناقشة لتلك النصوص والأقوال أو تتبعها بالتعقيب لاستنباط ما تضمنته من دلائل وأحكام.

تبرز هذه الظاهرة في كل من باب قيام الليل، باب النجوى، باب التقوى، باب مؤاخذة العباد بما تخفي النفوس، باب الاستغفار للمشركين.

إذ يواجه القارئ- لمحتوى أي باب من تلك الأبواب- بمجموعة من الآثار المروية بأسانيدها مجردة من التعليق والإبانة والتحليل (2).

يلاحظ على أبي عبيد أيضا تكرير بعض الأبواب حيث نصب بابا للجهاد ناسخه ومنسوخه ... صدره بقوله:

وجدنا نسخ الجهاد في أربع خلال منها اثنتان في القتال وثالثة في الأسارى ورابعة في المغانم ... (3).

ثم تجده يفرد بابا مستقلا للأسارى وآخر للمغانم (4) وقد عدهما من قبل ضمن باب الجهاد، كما تكررت الظاهرة نفسها في باب الشراب وما نسخ من حله بالتحريم (5) إذ أعقبه بباب في السكر وما فيه (6).

قلت: ولعل إفراد باب للأسارى والمغانم مع اعتبارها عند أبي عبيد داخلة

تحت الجهاد وإفراد باب للسكر مع اعتباره داخل تحت الشراب، لعل ذلك تصرف من الراوي الذي أخذ عن أبي عبيد الناسخ والمنسوخ أو من أحد النساخ.

قبل الدخول في بيان هذا المصطلح عند أبي عبيد لا بد من الإشارة إلى مفهوم النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين وأهل العصر الأول للتدوين وعند من جاء بعد ذلك من الأصوليين زمن تحديد المصطلحات والفصل بين العلوم والفنون.

فالسلف كان مصطلح النسخ عندهم واسعا يدخل تحته أمور عدة منها تخصيص اللفظ العام والاستثناء وتقييد المطلق وتبيين المجمل ونحو ذلك.

والمتأخرون كان مصطلح النسخ عندهم مقصورا على إزالة وإبطال الحكم المتقدم الثابت بالدليل بحكم متراخ عنه ثابت بدليل آخر.

ومن هنا فلا غرابة أن يجد المطلع على مرويات الصحابة والتابعين المبثوثة في كتب التفسير بالمأثور، أقوالا كثيرة صرحوا فيها بالنسخ بين أجزاء الآية الواحدة، أو حكموا بنسخ نصوص الأخبار التي لا مجال للنسخ فيها، وإليك أمثلة من هذه المرويات:

قال ابن عباس في قوله جل ذكره: والشعراء يتبعهم الغاوون* ألم تر أنهم في كل واد يهيمون* وأنهم يقولون ما لا يفعلون (1) هو منسوخ بقوله:

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا (2).

وقال وهب بن منبه في قوله: جل ذكره: ويستغفرون لمن في الأرض (1) نسختها الآية التي في غافر: ويستغفرون للذين آمنوا (2) 3 - وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: إن قوله جل ذكره: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (3) منسوخ بقوله: إلا الذين تابوا من بعد ذلك الآية (4).

ولقد أشار إلى منهج السلف هذا في الناسخ والمنسوخ عدد من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى حيث يقول: وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك (5).

ومنهم الإمام الشاطبي في موافقاته حيث يقول: يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا،

وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد (6).

ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله حيث يقول: مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة وهو اصطلاح المتأخرين ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر تارة أخرى. إما بتخصيص عام أو تقييد مطلق وحمله على المقيد وتفسيره

وتبيينه حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة ناسخا لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر ... إلى أن قال ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وزال عنه إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر اه (1).

وعند ما يقال منهج السلف فإنما يراد به ما قبل الإمام الشافعي رضي الله عنه إذ أنه أول من فرق بين النسخ وغيره من التخصيص والاستثناء وتقييد العام وتبيين المجمل فجعل مصطلح النسخ خاصا بما أبطل الحكم المتقدم الثابت بالدليل الشرعى.

يقول في الرسالة: ومعنى نسخ: ترك فرضه (2)، ويقول أيضا: وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة وكل منسوخ في كتاب وسنة هكذا (3).

فمراده بقوله: (ترك فرضه) إبطال العمل بالمنسوخ.

ومراده بقوله: (وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض) أن النسخ إبطال لحكم المنسوخ وترك العمل به وإثبات لحكم آخر يحل محله.

ومن قوله هذا يتبين أن الإمام الشافعي حصر مصطلح النسخ بأنه رفع وإبطال للحكم المنسوخ.

فليس للتخصيص أو الاستثناء أو تقييد العام وما أشبه ذلك ليس لها مكان في هذا المصطلح. قال مصطفى زيد بعد نقله لهاتين العبارتين عن الإمام الشافعي: ذلك أنه فسر النسخ بالترك ثم قرر لازمه وهو: أنه لم ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض، فأفاد بمجموع الكلمتين أن النسخ رفع يلزمه إثبات، وهو المعنى العام الذي يفهم بوضوح من استعمال الشافعي للكلمة في رسالته

مع تعدد المواضع الذي استعملها فيها وكثرتها، فإذا نحن ضممنا إليه حديثه عن التخصيص بعد ذلك واختياره المثال الذي ضربه له من المخصص المنفصل وهو آيات اللعان بعد آية حد القذف، أدركنا عن يقين أن النسخ عنده إنما يراد به رفع الحكم الأول كله، وهذا عنده يقتضي إثبات غيره مكانه، أما رفع بعض الحكم الأول فهو عنده تخصيص للعام ولو انفصل عنه (1).

وأبو عبيد الذي عاصر الإمام الشافعي وأخذ عنه قد التزم في كتابه مفهوم السلف لمصطلح الناسخ والمنسوخ فاعتبر رفع الحكم الشرعي الثابت بدليل متقدم بحكم متراخ عنه ثابت بدليل متأخر، والاستثناء، وتخصيص العام، وتقييد المطلق وتبيين المجمل وإبطال مفهوم علق بالأذهان وهو غير مراد من النص. اعتبر ذلك كله داخلا في مصطلح النسخ.

وهذه أمثلة من الكتاب نفسه من خلالها يتضح مفهوم أبي عبيد لمصطلح الناسخ والمنسوخ:

ذكر أبو عبيد في باب الصيام حديث عدي بن حاتم الذي قال فيه: لما نزلت هذه الآية وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (2) عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض ...

الحديث (3).

وبعد أن ذكر أحاديث غيره تتعلق بالصوم قال أبو عبيد: فهذا ما كان من نسخ الطعام والشراب والنكاح في الصوم.

فاعتبر إزالة المفهوم الباطل للآية الكريمة الذي علق بذهن عدي بن حاتم اعتبره نسخا.

في باب النكاح قال أبو عبيد: وأما الحرام الذي نسخه الحلال

فنكاح نساء أهل الكتاب. ثم أورد أثرا عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن (1) قال: ثم استثنى أهل الكتاب فقال: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم (2). وذكر بعده أثرا عن الأوزاعي شبيها بالأول ثم عقب أبو عبيد على ذلك بقوله: فرأي ابن عباس والأوزاعي أن الناسخ من الآيتين هي هذه التي في المائدة (3).

قلت: عد أبو عبيد الاستثناء المصرح به في قول ابن عباس نسخا وفي ذلك دلالة على اعتماده مفهوم السلف للنسخ.

وفى باب الطلاق وما جاء فيه قال أبو عبيد: أما الطلاق فإنا لا نعلم فيه ناسخا ولا منسوخا إلا فى موضعين: فدية الخلع، وعدة الوفاة.

فأما الفدية فإن حجاجا حدثنا عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس فى قوله: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا (4) قال: ثم استثنى فقال: إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله

(5).

قلت: وقول ابن عباس صريح فى الدلالة على الاستثناء إذ أن «إلا» أخرجت المستثنى الذي بعدها عن دخوله في التحريم المنصوص عليه بأول الآية.

وقد سمى أبو عبيد هذا الأسلوب نسخا جريا على طريقة السلف.

وفي باب الشهادات قال أبو عبيد: قوله عز وجل: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع

أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ثم قال بعد ذلك: إلا الذين تابوا (1) فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها وأن التوبة لهؤلاء جميعا بمنزلة واحدة (2).

قلت: قد سمى أبو عبيد الاستثناء نسخا جريا على مصطلح السلف.

ومن باب اليتامى أذكر هذا المقال الذي به أختم عرض الأمثلة.

قال أبو عبيد: والذي دار عليه المعنى من هذا أن الله عز وجل لما أوجب النار لآكل أموال اليتامى (3) أحجم المسلمون عن كل شيء من أمرهم حتى مخالطتهم كراهية الحرج فيها. فنسخ الله عز وجل ذلك بالإذن في المخالطة والإذن في الإصابة من أموالهم بالمعروف (4) إذا كانت لوالى تلك الأموال الحاجة إليها (5).

قلت: اعتبر أبو عبيد إزالة الحرج الواقع في نفوس الصحابة من مخالطة اليتامى، نسخا.

وبعد هذا الاستطراد في ذكر مفهوم السلف لمصطلح الناسخ والمنسوخ الذي التزم به أبو عبيد في كتابه هذا. أصبح من اليسير أن نجد آيات عديدة حكم عليها أبو عبيد بالنسخ وأن نجد آثارا عدة تضمنت التصريح بالنسخ مما لا مجال للتعارض فيه بل الجمع بين النصوص ممكن بيسر وسهولة.

إنه لمن الخطأ البين والتطاول الواضح أن نحكم على واحد من علماء السلف الأجلاء بأنه كان مسرفا فى القول بالنسخ، قبل الكشف عن مراده بقوله: هذا النص أو الحكم منسوخ.

تعددت مناهج العلماء الذين أفردوا بالتصنيف علم الناسخ والمنسوخ فمنهم من التزم منهج السلف في مصطلح النسخ.

ومنهم من تناول النسخ من خلال الآيات القرآنية، فاكتفى بسرد المنسوخ منها والناسخ وذكر من قال بذلك في كل آية ادعي عليها النسخ متجاهلا مصطلح السلف الشامل للتخصيص والاستثناء وتقييد المطلق وتبيين المجمل وإزالة الحكم المتقدم، مما أدى به إلى أن يفسر كثيرا من أقوالهم بمصطلح المتأخرين الذي هو بمعنى: إزالة الحكم أو النص المتقدم بحكم أو نص متراخ عنه.

ومن هنا أسرف كثير من المصنفين في النسخ عند ما حكموا على أكثر النصوص بإزالتها وإبطالها.

ومنهم من اعتنى بدراسة الناسخ والمنسوخ كعلم له قواعد وضوابط أصولية وأغفل وقائع النسخ فلم يورد شيئا من الآيات المدعى عليها ذلك ومنهم من جمع هذا وذاك. ومنهم من اعتنى بدراسة تشريعية تاريخية نقدية للنسخ.

وسأذكر جمعا ممن ألفوا في الناسخ والمنسوخ ووصلت إلينا مصنفاتهم فكان منها المطبوع ومنها المخطوط في الحين الذي أغفل فيه جمعا آخر من المصنفات في النسخ لعدم العثور عليها أو الاهتداء إلى أماكن وجودها:

الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي وقد سار فيه مؤلفه على منهج السلف، والكتاب أفردناه بدراسة مستقلة إذ هو موضوع هذه الرسالة.

الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم: لأبي جعفر محمد بن أحمد بن إسماعيل الصفار المرادي النحوي المصري المعروف بأبي جعفر النحاس، توفي سنة 338 ه.

اعتمد فيه مصنفه على الإسناد المتصل لكل أثر أو حديث يورده وكان مكثرا في ذلك وقسمه إلى أبواب منها: تعريف النسخ، الترغيب في تعلم الناسخ والمنسوخ، اختلاف العلماء في الذي ينسخ القرآن والسنة، أصل النسخ واشتقاقه، النسخ على كم يكون من ضرب، الفرق بين النسخ والبداء، ذكر بعض الأحاديث في الناسخ والمنسوخ، السور التي يذكر فيها الناسخ والمنسوخ.

وفي هذا الباب استعرض الآيات القرآنية المدعى عليها النسخ وأقوال السلف فيها مرتبا لها حسب السور. ويعتبر من المصنفات الجليلة القدر، ويقع في مائتين وستين صفحة من القطع الكبير، وقد طبع عام 1323 ه بمصر (1).

نواسخ القرآن: لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي المتوفى سنة 597 ه.

اعتنى ابن الجوزي بالإسناد فلا يكاد يذكر حديثا أو أثرا إلا مسلسلا بالسند، وقد جعل كتابه قسمين:

بحث في الأول النسخ من الناحية الأصولية فتحدث عن: جواز النسخ، الفرق بينه وبين البداء، إثبات أن في القرآن منسوخا، بيان حقيقة النسخ، شروط النسخ، ذكر ما اختلف فيه هل هو شرط في النسخ أم لا؟ فضيلة علم الناسخ والمنسوخ والأمر بتعلمه، أقسام المنسوخ، وناقش في القسم الثاني منه مائتين وسبعا وأربعين قضية من قضايا النسخ في اثنتين وستين سورة من القرآن، فأثبت وقوع النسخ فى اثنتين وعشرين واقعة لا غير. وبعد فهو كتاب جليل القدر عظيم الفائدة. وقد طبع محققا في مجلد واحد فبلغ خمسمائة وسبعين صفحة (2).

الإيضاح فى ناسخ القرآن ومنسوخه: ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه. لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 ه.

وقد أظهر كتابه هذا في عدة أبواب اعتنى فيها بالجانب الأصولى فقدم دراسة مفصلة للنسخ اشتملت على: معنى النسخ، جوازه، أقسام المنسوخ، أقسام الناسخ، أقسام معنى نسخ السنة بالسنة، الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء، شروط الناسخ والمنسوخ، جامع القول فى مقدمات الناسخ والمنسوخ، ثم أفرد باقي الكتاب- ويقرب من ثلاثة أرباعه- لذكر وقائع النسخ.

فاستعرض مائتي واقعة متدرجا حسب السور فرد النسخ في أكثرها.

وبعد فهو كتاب جليل القدر عظيم الفائدة لولا ما يكدر ذلك من تجريد المؤلف له عن الإسناد. يقع مطبوعا محققا في أربعمائة وسبع صفحات (1).

النسخ فى القرآن الكريم: للأستاذ مصطفى زيد.

الكتاب دراسة للنسخ من الناحية التشريعية والتاريخية والنقدية أخرجه مؤلفه في تمهيد وأربعة أبواب وخاتمة.

ففكرة النسخ، والنسخ عند اليهود والنصارى، وموقف المسلمين منه، وإثبات وقوعه في الشرائع السابقة، والنسخ والبداء، كل ذلك ضمنه التمهيد.

وفي الباب الأول النسخ عند الأصوليين من خلال الفصول التالية: معنى النسخ، التفرقة بين النسخ وبعض أساليب البيان مثل التخصيص، الاستثناء المطلق المقيد ... الخ، شروط النسخ، حكم النسخ والحكمة منه.

وفي الباب الثاني: النسخ من الناحية التاريخية ويشمل: المصنفين في النسخ، الكتب المصنفة فيه.

وفي الباب الثالث: دعاوى النسخ التي لم تصح ويشمل: إحصاء وتصنيف لدعاوى النسخ، دعاوى النسخ في الآيات الإخبارية، دعاوى النسخ فى آيات الوعيد، دعاوى النسخ بآية السيف، مناقشة لدعاوى النسخ التي ليس فيها إلا التخصيص أو التقييد أو التفسير أو التفصيل، مناقشة دعوى النسخ في آيات ليس فيها تعارض، مناقشة دعوى النسخ فى آيات اشتهرت بأنها منسوخة وليست كذلك.

وقد استغرق هذا الباب ما يقرب من نصف الكتاب.

وفى الباب الرابع ما صح من وقائع النسخ إذ توصل المؤلف إلى حصرها بست آيات. وينتهي الكتاب بخاتمة يلخص فيها المؤلف أهم نتائج البحث ويدلي بمقترحات يراها. ويعتبر الكتاب أجمع دراسة للناسخ والمنسوخ قدمت حتى الآن.

والكتاب مطبوع يقع في مجلدين من المتوسط عدد صفحاته ثمانين وتسعمائة.

الناسخ والمنسوخ لأبي بكر بن العربي: محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن العربي المعافري الإشبيلي المالكي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.

وقد نهج في تصنيف الكتاب طريقة الأصوليين إذ ابتدأه بمقدمة تتعلق بالناسخ والمنسوخ وما يتبعه من تقسيمات وأنواع ثم تحدث بعدها عن الناسخ والمنسوخ من خلال الآيات القرآنية مرتبا ذلك حسب السور، وقد اهتم بمناقشته الأحكام الفقهية والرد على المخالفين ولم يقتصر ابن العربي في كتابه على النسخ، بل تجده يشير إلى مفاهيم أخرى مثل: المدني، المكي، أول ما نزل، آخر ما نزل، وما أشبه ذلك. والكتاب مخطوط عدد أوراقه ثمان وسبعون (1).

قلائد المرجان في الناسخ والمنسوخ من القرآن تأليف مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي المتوفى سنة 1033.

ضمنه عدة مباحث منها: النسخ في اللغة، أقسام النسخ عند المحققين، أقسام المنسوخ في القرآن، أقسام الناسخ في القرآن ما يجوز أن يكون ناسخا ومنسوخا، ما يحتاج إليه الناظر في الناسخ والمنسوخ، نسخ القرآن بالإجماع ونسخ الإجماع بالإجماع ونسخ القياس بالقياس، الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء، ما يدخل فيه النسخ، الفرق بين النسخ والبداء، ذكر السور التي فيها الناسخ والتي فيها المنسوخ والتي دخلها كلاهما، أول نسخ وقع في الشريعة ثم ذكر الناسخ والمنسوخ على نظم سور القرآن حيث استعرض القرآن سورة فاستغرق في إيراد وقائع النسخ والآيات المدعى عليها ذلك ما يزيد على ثلاثين ومائتي صفحة من عدد صفحات الكتاب البالغة ثلاث وستين وخمسمائة صفحة. ثم أنهى الكتاب بخاتمة ضمنها ذكر قضايا في علوم القرآن منها: ترتيب ما نزل بمكة والمدينة ما اختلف في مكان نزوله، آخر ما نزل، أرجى آية وأشد آية، ذكر ترتيب السور والآيات، ذكر نزول القرآن، ذكر جمع القرآن، ذكر شكل المصحف ونقطه

وكان مرعي مسرفا في الحكم على كثير من الآيات بالنسخ، وأحسن محقق الكتاب عند ما تتبع الآيات المدعى عليها النسخ ورد أكثرها (1).

فتح المنان في نسخ القرآن: لمؤلفه الشيخ علي حسن العريض أحد علماء الأزهر الشريف، نهج فيه مؤلفه طريقة أصولية إذ قسمه إلى قسمين:

الأول: اشتمل على دراسة متكاملة عن النسخ فكان من مباحثه: تعريف النسخ، الفرق بينه وبين التخصيص والبداء، شروطه، أركانه، أنواعه، أدلة ثبوته، شبهات المنكرين له، حكمة النسخ.

أما القسم الثاني: فهو عرض ومناقشة للآيات المدعى عليها النسخ.

والكتاب مطبوع يقع في خمسين وثلاثمائة صفحة من الحجم المتوسط.

الناسخ والمنسوخ من كتاب الله عز وجل لمؤلفه هبة الله بن سلامة ابن نصر المقري الضرير المتوفى سنة عشر وأربعمائة.

أغلب الكتاب استعراض للآيات المنسوخة عند المؤلف مرتبة حسب السور وقد بالغ في دعوى النسخ وتجرأ على نصوص كثيرة فادعى نسخها وهي من النسخ بعيد.

وقد بدأ المؤلف كتابه بمقدمة لا تقل عن ثلاث عشرة صفحة تحدث فيها باختصار عن: أهمية الناسخ والمنسوخ، تعريفه، أقسامه، تسمية السور التي دخلها الناسخ ولم يدخلها المنسوخ، والسور التي دخلها المنسوخ ولم يدخلها الناسخ، والسور التي دخلها الناسخ والمنسوخ، اختلاف المفسرين في أي شيء وقع المنسوخ من كلام العرب، ما رد الله على الملحدين والمنافقين من أجل معارضتهم في تنقل أحكام كتابه المبين، ذكر ما جاء من النسخ في الشريعة على التوالي.

وبعد فالكتاب يقع في أربع عشرة ومائتي صفحة. في طبعته المحققة (1).

الإحكام والنسخ في القرآن الكريم لمؤلفه محمد حمزة:

وقد ضمن المؤلف كتابه هذا عدة مباحث شملت أمرين أولهما: الإحكام والتشابه، ثانيهما: الناسخ والمنسوخ وابتدأه بمقدمة ضمنها مفهوم الإحكام، المحكم والمتشابه، المحكم والمنسوخ، تطور مفهوم النسخ من عهد الرسول إلى استقرار القواعد الأصولية ثم جاءت بحوث الكتاب السبعة بعد ذلك على النحو التالي: المحكم والمتشابه، ما يرد عليه النسخ وما لا يرد، هل النسخ سنة الله

تعالى في الشرائع السابقة، القرآن هو المهيمن على كل كتاب، هل في القرآن ناسخ ومنسوخ، الآيات التي اشتهرت بنسخها وبيان خطأ المكثرين، المحكمات من سورة الأنعام.

وبعد فالكتاب مطبوع يقع في مائتين وعشرين صفحة من الحجم المتوسط.

الناسخ والمنسوخ: لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي:

جرى فيه مصنفه على طريقة الأصوليين في التقسيم والتبويب وعالج الموضوعات معالجة الفقيه فأورد الأحكام الفقهية والمسائل الخلافية. وليس للإسناد عنده ذكر. وقد قسمه إلى ثمانية أبواب على النحو التالي:

معنى النسخ وحده وحقيقته، بيان شروط النسخ وأحكامه، تفسير الآية الدالة على النسخ وبيان قراءتها، بيان الآيات التي اجتمعوا على نسخها، بيان الآيات التي اختلفوا في نسخها، بيان ما اتفقوا على نسخه واختلفوا في ناسخه، بيان سنن ناسخه وسنن منسوخه، معرفة الناسخ والمنسوخ فيما يشتبهان فيه.

والكتاب لم يزل مخطوطا تقع أوراقه في ثمان وسبعين ورقة (1).

نظرية النسخ في الشرائع السماوية: لمؤلفه الدكتور شعبان محمد شعبان:

عالج النسخ من الجانب النظري معرضا صفحا عن الوقائع والتطبيقات فجاءت مواضيع الكتاب على النحو التالي: تعريف النسخ، الفرق بين النسخ والتخصيص، الحكمة في النسخ، النسخ بين المثبتين والمنكرين، موقف اليهود من

النسخ، أقسام الناسخ والمنسوخ، شروط النسخ، طرق معرفة النسخ، هل الزيادة على النص نسخ، هل يجوز نسخ الخبر، المصنفون في النسخ.

والكتاب مطبوع تبلغ صفحاته ثلاثين ومائتين.

ناسخ القرآن العزيز ومنسوخة لهبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم المعروف بشرف الدين بن البارزي المتوفى سنة 738 ه.

ابتدأه بمقدمة ذكر فيها تعريف النسخ، أنواعه، ذكر أول ما نسخ، السور التي فيها النسخ، والسور التي لم يدخلها ذلك، الآيات المنسوخة بآية السيف، الآيات المنسوخة بآية القتال: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، الآيات المنسوخ عمومها بالاستثناء.

ثم ذكر بالتفصيل المواضع المنسوخة على ترتيب السور فذكر مع كل منسوخ ناسخه مع تعيين السورة التي فيها الناسخ إن لم يكن من سورة المنسوخ.

ووضع المؤلف حرف (م) علامة على المنسوخ وحرف (ن) علامة على الناسخ. ثم أنهى المؤلف كتابه بخاتمة بين فيها مفهوم المتقدمين للنسخ ومخالفة المتأخرين لهم في ذلك.

ويلاحظ عليه إسرافه بالقول بالنسخ إذ اعتبر آية السيف ناسخة لأربع عشرة ومائة آية.

وبعد فالكتاب يقع في ثلاث وستين صفحة من الحجم المتوسط مطبوعا بتحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن.

الإيجاز في معرفة ما في القرآن من منسوخ وناسخ: لمؤلفه أبي البركات محمد بن بركات بن هلال بن عبد الواحد السعيدى النحوي:

سار على منهج الأصوليين في تصنيفه ثم تعقب الآيات المدعى عليها النسخ فأسرف وبالغ في نسخ آيات محكمة.

ولقد اعتمد مصنفه على بعض المتهمين أمثال مقاتل بن سليمان البلخي، والكلبي في مرويات الكتاب.

ويكاد يكون مختصرا لكتاب الإيضاح، لمكي، ولكتاب الناسخ والمنسوخ لابن سلامة (1).

الناسخ والمنسوخ للقاضي أبي عبد الله بن محمد بن عبد الله بن على العامرى الأسفراييني:

جرى فيه مصنفه على منهج الأصوليين، وأهل الإسناد عند الاستشهاد والاستدلال، واعتمد على الضعفاء والمتهمين كالكلبي ومقاتل بن سليمان، وقد ضمن كتابه عدة فصول على النحو التالى: بيان المنسوخات، حقيقة النسخ، الخلاف في جواز نسخ العبادة قبل فعلها، النسخ جائز عند المسلمين، بيان المنسوخ، أقسام النسخ، أول عبادة نسخت في هذه الشريعة. ثم أفرد بابا لذكر المنسوخ على ترتيب السور وبيان ناسخ ذلك.

والكتاب مخطوط عدد أوراقه ست وعشرون ورقة وفي النسخة الأخرى أربع عشرة ورقة وهو قيد التحقيق (2).

الناسخ والمنسوخ لمحمد بن مسلم بن شهاب الزهري المتوفى سنة (124 ه). اشتمل الكتاب على قسمين الأول النسخ وقد أورد فيه عددا من الروايات في فضل تعلمه، وأدلة ثبوته، والآيات المنسوخة من كتاب الله والناسخة وقد سلك مسلك منهج السلف في تحديد النسخ.

والقسم الثاني من الكتاب أفرده لذكر ما نزل بمكة وما نزل بالمدينة.

واعتمد على السور في ترتيب ذلك.

والكتاب مخطوط يقع في ست ورقات (1).

الموجز في الناسخ والمنسوخ: للإمام المظفر بن الحسين بن زيد ابن علي بن خزيمة الفارسي.

سلك فيه مؤلفه منهج السلف في مصطلح الناسخ والمنسوخ وعلامة ذلك إفراده بابا عنوانه: باب بيان الآيات المنسوخة بالاستثناء بعدها.

وقد أخرج ابن خزيمة كتابه هذا في عدة أبواب على النحو التالى:

بيان الناسخ والمنسوخ، بيان السور التي فيها الناسخ والمنسوخ، بيان السور التي لم يدخلها الناسخ ولا المنسوخ، بيان السور التي فيها المنسوخ دون الناسخ، بيان السور التي فيها الناسخ دون المنسوخ، بيان المنسوخ في القرآن بآية السيف، ما نسخ من القرآن بآية القتال، بيان الآيات المنسوخة بالاستثناء بعدها، بيان ما في الآيات المنسوخة على النظم، بيان السور المنسوخ والمحكم منها على النظم.

والكتاب مطبوع بذيل كتاب الناسخ والمنسوخ للنحاس ويقع في سبع عشرة صفحة.

معرفة الناسخ والمنسوخ: لأبي عبد الله محمد بن حزم (2):

ابتدأ الكتاب بذكر عدد من الآثار في فضل تعلم الناسخ والمنسوخ واعتناء السلف بذلك.

ثم قسم الكتاب إلى فصول وأبواب، ذكر فيها: معنى النسخ اللغوي والاصطلاحي، شروطه، إنكار اليهود للنسخ، الذي يقع فيه النسخ الأمر والنهي دون الإخبار، أنواع النسخ، السور التي لم يدخلها ناسخ ومنسوخ، تسمية

السور التي فيها ناسخ وليس فيها منسوخ، السور التي دخلها منسوخ ولم يدخلها ناسخ، السور التي دخلها الناسخ والمنسوخ، الناسخ والمنسوخ على نظم القرآن.

والكتاب مجرد من الإسناد قد أسرف فيه مؤلفه بالحكم بالنسخ على كثير من الآيات المحكمة (1).

قبضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن: لمؤلفه أبي القاسم جمال الدين بن عبد الرحمن البذوري رواية الإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي.

ذكر فيه مؤلفه الآيات المنسوخة والناسخة مرتبة حسب السور. والكتاب يقع في خمس عشرة صفحة (2).

الناسخ والمنسوخ من القرآن العظيم:

وهو عبارة عن أبيات منظومة مبوبة اشتملت على خمسة وسبعين بيتا مفرقة على اثني عشر بابا جاءت على النحو التالى:

ما فيه ناسخ فقط، ما فيه منسوخ فقط، ما فيه ناسخ ومنسوخ، منسوخ البقرة، منسوخ آل عمران، منسوخ النساء ... الخ سور القرآن.

وناظمه عيسى المغربي فرغ من تأليفه وتسويده، بخط يده يوم الجمعة عام 995 ه (3).

النسخ بين نفاته ومثبتيه لمؤلفه عبد الله توفيق الصباغ:

وهو رسالة صغيرة بحث فيها المؤلف النسخ من الجانب الأصولي فتعرض للقضايا التالية:

تعريف النسخ، النسخ بين نفاته ومثبتيه، الحكمة وراء النسخ، النسخ بين الدعوى والحقيقة، ما يقبل النسخ وما لا يقبل، كيف يعرف الناسخ من المنسوخ. وقد بلغ هذا الكتاب أربعين صفحة إلا واحدة من الحجم الصغير.

ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة لمؤلفه أبي الفضل عبد الله ابن محمد بن الصديق الغماري، تحدث فيه مصنفه عن نوع من النسخ وهو نسخ لفظ الآية دون حكمها، واعتبر ذلك ممتنعا. وقد جاءت عناوين الكتاب على النحو التالى:

حقيقة النسخ، أقسام النسخ، هل تنسخ التلاوة، أمثلة لما قيل بنسخ تلاوته، لم يمتنع نسخ التلاوة. ونحو ذلك.

هذه مجموعة من المصنفات التي اطلعت عليها في الناسخ والمنسوخ اجتهدت في ترتيبها حسب الأهمية. وهناك مصنفات أخرى وصلت إلينا مما ألف في الناسخ والمنسوخ لم أطلع عليها فمن ذلك:

الناسخ والمنسوخ: تأليف قتادة بن دعامة السدوسي المتوفي سنة (117) أو (118 ه) (1).

الناسخ والمنسوخ: لمؤلفه عبد الرحمن العتائقي المتوفى بعد سنة 788 ه (2).

الناسخ والمنسوخ: لمؤلفه أحمد البحراني بن المتوج المتوفي سنة (836 ه) شرحه عبد الجليل القاري (3).

عمدة البيان في زبدة نواسخ القرآن لمؤلفه محمد بن سلامة الرشيدي الشافعي المتوفى سنة 1300 ه (1).

النسخ بين الإثبات والنفي: لمؤلفه الدكتور محمد محمود فرغلي (2).

ناسخ القرآن ومنسوخه: لمؤلفه علي بن شهاب الدين حسن بن محمد الحسيني الهمداني المتوفى سنة 789 ه (3).

جواب الناجي عن الناسخ والمنسوخ: للشيخ برهان الدين الناجي المتوفى سنة (900 ه) (4).

إرشاد الرحمن لأسباب النزول والنسخ والمتشابه من القرآن: للشيخ عطية الله البرهاني الشافعي الأجهوري، تعلم بالقاهرة وبها توفي سنة (1190 ه) (5).

التبيان للناسخ والمنسوخ لمؤلفه: عبد الله بن حمزة بن النجم الصعدي (6).

صفوة الراسخ في علم المنسوخ: للشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الحسين الموصلي (1).

البيان في الناسخ: للشيخ محمد بن عبد الله بن أبي النجم (2).

نسخ الكتاب والسنة بالكتاب والسنة: إعداد الطالبة فاطمة صديق عمر نجوم (3).

النسخ في الشريعة الإسلامية: إعداد الطالب أحمد محمد صديق (4).

وبعد

فهذه مصنفات الناسخ والمنسوخ في القرآن الموجود منها حسب ما وصل إليه علمي وبالله العصمة والتوفيق.

مع صراحة الأدلة على ثبوت النسخ كقوله جل ذكره: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها (5).

وقوله جل وعز: وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر (1).

وقوله سبحانه: يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (2).

ومع تواتر الوقائع المتضمنة للنسخ من نصوص الكتاب والسنة مما لا مجال فيه للجمع ورفع التعارض بين النص المتأخر والنص المتقدم.

مع ذلك تجد جماعة من أهل العلم اعتدوا على صرح للعلم شامخ وضعت لبناته زمن صاحب الرسالة- صلى الله عليه وسلم- ونزل الوحي بإثباته وإقراره.

وفهم الصحابة الذين عاصروا التنزيل تلك النصوص المتضمنة للنسخ فعملوا بمقتضى مراد الشارع.

اعتدى جمع من أهل العلم على حقيقة لا تقبل الجدل في إثبات وجودها إذ بلغ أمر ثبوتها مبلغ التواتر فحكموا على ثبوت النسخ بالإبطال والإنكار وتمحلوا في التأويل والتعليل. فكان أشهر هؤلاء:

أبو مسلم أحد أئمة المعتزلة المتوفى عام 322 ه. صنف كتابا فى الناسخ والمنسوخ تتبع فيه جميع وقائع النسخ وأول الآيات التي ثبت نسخها ليخرجها عن النسخ فأدى به ذلك إلى صرف كثير من الآيات إلى معنى مخالف للمراد الظاهر. وقد تصدى له مصطفى زيد في كتابه النسخ في القرآن الكريم وبين عوار مسلكه وأثبت أن على أبى مسلم أن ينقض دعوى النسخ في كل واقعة ثبت النسخ فيها (3). كما تصدى له علي حسن العريض في كتابه فتح المنان ونقل ردود بعض العلماء عليه منهم: الجصاص في أحكام القرآن، هبة الله بن سلامة الضرير في ناسخة، البزدودي في كنز الوصول

والشوكاني في إرشاد الفحول (1). وتصدى له أيضا محمد حمزة في كتابه الإحكام والنسخ (2).

أظهر دعواه فى إنكار النسخ وإبطال ثبوته في الشريعة الإسلامية عام 1368 ه بأن أخرج كتابه الأول: النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه.

صدره بمقدمة قال فيها: وتقدمت إلى كلية دار العلوم في أول رجب عام 1368 ه بدراسة علمية في موضوع الناسخ والمنسوخ انتهيت منها إلى أنه لا تناسخ بين آي القرآن.

ثم عرض موضوعات الكتاب فكان منها: تفسير آية النسخ التي في البقرة والكشف عن أنها ليست دليلا على وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن، ذكر ما زعمه القدماء ناسخا للقرآن، ذكر أدلة مثبتي وجود التناسخ بين آي القرآن النقلية والوقوعية وتفنيدها، ذكر الآيات التي زعموها منسوخة وبيان كيف أنها متوافقة مع غيرها مما زعموه ناسخا لها، كشف النقاب عن أن آيات القرآن كلها محكمة، والكتاب يقع في ثمان وستين وثلاثمائة صفحة من الحجم المتوسط.

ثم أخرج كتابه الثاني لا نسخ في القرآن لماذا؟ سنة 1385 ه.

ضمنه عدة فصول أولها فصل بطلان دعوى النسخ، ثم أتبعه بذكر صور تطبيقية للآيات المدعى عليها النسخ زعم إحكامها والجمع بينها وبين الناسخ لها من نصوص.

والكتاب يقع في ستين ومائة صفحة من الحجم المتوسط.

وقد تصدى له وأبطل مزاعمه محمد حمزة في كتابه الإحكام والنسخ (3).

وتصدى له وأبطل مقترحاته الدكتور/ محمد محمود فرغلي في كتابه: النسخ بين الإثبات والنفي خلال اثنتي عشرة صفحة (1).

أنكر وقوع النسخ في كتابه نظرات في القرآن، إذ أفرد لذلك فصلا بعنوان: حول النسخ.

ابتدأه بقوله: هل في القرآن آيات معطلة الأحكام بقيت في المصحف للذكرى والتاريخ كما يقولون، تقرأ التماسا لأجر التلاوة فحسب وينظر إليها كما ينظر إلى التحف الثمينة في دور الآثار.

ثم يقول معلنا رأيه في قضية النسخ: ونحن لا نميل إلى السير مع هذا الاتجاه- يقصد القول بالنسخ- بل لا نرى ضرورة للأخذ به.

ثم يستعرض بعض الوقائع المحكوم عليها بالنسخ عند جمهور العلماء محاولا إزالة التعارض وإثبات الإحكام في كل واقعة بشبهة التدرج فى التشريع.

ثم يورد أدلة القائلين بالنسخ فيتكلف في تأويلها وبيان المراد منها بغية تفريغها من الدلالة على إثبات النسخ معرضا فى ذلك كله عن التفسيرات الثابتة عن السلف.

وقد أنفق الغزالي على هذه الدعوى قرابة أربع وثلاثين صفحة من صفحات الكتاب البالغة اثنتين وسبعين ومائتي صفحة من الحجم المتوسط (2).

أنكر النسخ عند تفسيره لآية البقرة: ما ننسخ من آية أو ننسها ... (3) في تفسيره المسمى بالتفسير القرآني للقرآن بعد أن ناقش

بعض الآيات المنسوخة منها فعلى سبيل المثال آيات الخمر والتدرج فى تحريمه إذ زعم إحكامها جميعا آية النحل وآية البقرة، وآية النساء، وآية المائدة.

ثم توصل إلى نتيجة لا تستند إلى دليل شرعي بل مبناها العقل والرأي المذموم فقال: إننا لا نسيغ القول أبدا بأن شيئا منسوخا من هذا القرآن الذي نقرؤه ونتعبد به إذ لا حكمة مع هذا لآيات كريمة نتلوها ونتعبد بتلاوتها، ثم لا نعمل بها ولا نأخذها مأخذ الجد فى تحصيل الخير المشتمل عليه كيانها.

إن النسخ معناه عزل الآيات المنسوخة عن الحياة وإحالتها إلى المعاش ...

وما الاحتفاظ بها فى القرآن إلا كالاحتفاظ بجثث الأموات محنطة فى توابيت! وذلك مقام ينزه عنه كلام الله رب العالمين (1).

وقد تصدى له وأبطل مزاعمه صاحب كتاب: اتجاهات التفسير فى العصر الراهن، الدكتور/ عبد المجيد عبد السلام المحتسب (2).

ويشمل:

المنهج الذي اعتمدته فى التحقيق.

ظل كتاب الناسخ والمنسوخ فى القرآن العزيز لأبي عبيد القاسم بن سلام مفقودا لدى المعنيين بالتراث الإسلامي فترة من الزمن فى عصرنا الحاضر.

ولا أدل على صدق ذلك من أن الذين ترجموا لأبي عبيد اعتبروا هذا الكتاب مفقودا أو على الأقل سكتوا عنه فلم يوردوا له ذكرا من بين مصنفات الناسخ والمنسوخ. وكمثال للصنف الأول محمد عظيم الدين فى مقدمته على كتاب غريب الحديث لأبي عبيد إذ ذكر الناسخ والمنسوخ ضمن مصنفات أبي عبيد ثم أورد ما وصل إلينا منها فلم يذكره من بينها (1).

وكمثال على الصنف الثاني: محمد أشرف علي الملبارى فى مقدمته على كتاب نواسخ القرآن لابن الجوزي إذ عرف بالكتب المخطوطة التي اطلع عليها فى الناسخ والمنسوخ وليس من بينها كتاب أبي عبيد (2).

وفعل ذلك أيضا محمد تجاني جوهري محقق فضائل القرآن عند ما ذكر الموجود من مصنفات أبي عبيد فاعتبر كتاب الناسخ والمنسوخ مفقودا (3).

ولعل السبب فى ذلك ندرة النسخ الخطية لهذا الكتاب إذ الموجود منه نسخة واحدة بتركيا، طوب قبو (أحمد الثالث) (143)، وما عداها صور للنسخة الوحيدة بتركيا. حيث يوجد الآن بقسم المخطوطات المكتبة المركزية لجامعة الإمام بالرياض صورة لها تحت رقم 602/ ف، وصورة أخرى مماثلة تحت رقم 2783/ ف. قد صورت هذه الأخيرة من صورة بدولة قطر تحت رقم 22/ 2783/ ف.

والصورة إذن الموجودة بقطر تعود إلى الأصل الذي بتركيا. فأصبح

للكتاب نسخة واحدة تلك التى مقرها طوب قبو أحمد الثالث. ولم أظفر بنسخة خطية أخرى للكتاب بعد طول مراجعه فى فهارس المكتبات العربية والعالمية فيما أمكنني الاطلاع عليه منها، وبعد الاطلاع على المصنفات المعنية بكتب التراث مثل تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، وتاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين.

وبعد فإن النسخة التي حصلت عليها: فريدة فى خطها: لخلوه من السقط والمسح، والتحريف والتصحيف إلا فى القليل النادر. وقد نبهنا على ذلك فى موضعه.

وكاملة فى صفحاتها: ابتداء بالورقة الأولى المشتملة على اسم الكتاب وانتهاء بالورقتين الأخيرتين، إذ فى الأولى الدلالة على نهاية الكتاب وفيها وفى الثانية ذكر السماعات والإجازات البالغ عددها خمس.

ومع كمال النسخة الوحيدة للكتاب فقد سقطت صفحة من مقدمته أمكنني بفضل الله تلافي بعض هذا النقص بإكمال حديث أورد أبو عبيد إسناده وضاع متنه مع الصفحة الساقطة فالتمست ذلك الحديث فوجدته فى مسند الإمام أحمد فأوردته عملا بغلبة الظن بغية سد الخلل وذلك فى موضعه عند الأثر رقم (18) في مقدمة الكتاب.

وموثقة فى نصها: بتعليقات وتصويبات فى الهامش، وبمقابلتها بنسخ أخرى يتضح ذلك من خلال التعليقات المدونة على الهامش كأن تجد فى الهامش مثل هذا التعليق: السماع ... وفى نسخة أخرى ... وفى نسخة أخرى وهو الصواب ... وأمثال هذا كثير قد أشرت إليه فى موضعه.

وواضحة فى خطها: لا يجد القارئ حرجا وعناء أثناء قراءتها. قد كتبت بحروف كبيرة حتى أنك تجد فى السطر الواحد قرابة ست كلمات وتجد فى الصفحة الواحدة قرابة ستة عشر سطرا.

ومتصلة فى إسنادها إلى أبي عبيد.

ومزودة فى آخرها: بخمس إجازات وسماعات. فيها الدلالة على قيمة الكتاب واعتناء طلبة العلم والمشايخ بروايته وتناقله.

اعتمدت عند السير فى تحقيق كتاب: الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي، وما يتبع التحقيق من تخريج للأحاديث والآثار وترجمة للأعلام ونحو ذلك.

اعتمدت منهجا أجهدت نفسي فى التزامه والتقيد بخطوطه ومعالمه فكانت كالتالي:

الضبط بالشكل لبعض الكلمات والأعلام مع التزام القواعد الإملائية للخط والقواعد الإعرابية للنحو.

تصحيح الخطأ الحاصل من سقط بعض الحروف أو تقديم بعضها على بعض أو استبدال حرف بآخر، أو الحاصل من تبديل اسم أو علم بآخر أو آية بأخرى.

فإن كان الخطأ فى آية من كتاب الله فإنى أثبت الصواب فى أعلى الصحيفة فى الصلب وأشير إلى الخطأ فى الهامش، وإن كان الخطأ فيما سوى ذلك كتبت فى أعلى الصحيفة الخطأ كما هو وذكرت الصواب فى الهامش ويستثنى من ذلك حرف الجر (1)، والتصحيف (2)، والكلمة غير المقروءة (3).

إن كان فى سياق الكلام الذي يورده أبو عبيد إبهام أو لبس أوضحت مراده فى الهامش.

إن وجدت تعليقا فى هامش المخطوط ذا أهمية نقلته إلى الهامش وأشرت إلى ذلك.

أبدأ بالأثر أو الحديث من أول السطر جاعلا للأحاديث والآثار ترقيما مسلسلا.

أجعل عبارة [قال أبو عبيد]- التي هي علامة على كلام المصنف وتعقيبه- من أول السطر.

عند تخريج الأحاديث والآثار ألتزم بمصطلحات أهل الحديث فإن كان الحديث أو الأثر قد روي بلفظه عبرت عن ذلك بقولي: رواه فلان .. وإن كان ثمة اختلاف يسير فى اللفظ قلت: رواه بنحوه أو رواه بلفظ مقارب.

وإن اتفق المعنى مع اختلاف أكثر الألفاظ قلت: روى نحوا من معناه ...

لم أكن لأخرج الحديث أو الأثر إلا من كتب السلف المعتمدة التي تروي بالإسناد كالكتب الستة، وتفسير الطبري، والناسخ والمنسوخ للنحاس، ونواسخ القرآن لابن الجوزي، ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق وأمثال هذه الكتب، فإن لم أجد الأثر فى واحد منها عزوته إلى الدر المنثور ذاكرا عزو السيوطي للأثر.

عند تكرار الأثر أكتفي بتخريجه أول مرة ورد فيها.

إذا ورد الأثر أو الحديث مجردا عن الإسناد أورد سنده فى الحاشية.

إذا وجدت كلاما للعلماء على الحديث من ناحية التصحيح والتضعيف أو السند أو المتن نقلت ذلك غالبا إتماما للفائدة.

عند ذكر المصدر فى الهامش أميزه بذكر رقم المجلد، والصفحة، والكتاب أو الباب إن وجد، والمحقق إن كان محققا دون ذكر الطبعة إلا فيما لو كان المصدر محققا بعضه كالطبري، وكالمسند، فإني أميز غير المحقق بذكر الطبعة.

أعرف بالعلم بشكل مختصر معتمدا فى الغالب على التقريب والتهذيب لابن حجر، فإن لم يوجد فيهما ترجمة الرجل رجعت فى ذلك إلى كتب التراجم والرجال أو كتب التاريخ مثل: الجرح والتعديل، الميزان، طبقات ابن سعد، والتاريخ: كالبداية والنهاية، سيرة ابن هشام.

أضبط بالشكل العلم إذا كان هناك لبس عند النطق به مثل عبيدة، علية.

أترجم للعلم عند وروده أول مرة، فإن تكرر أكتفي بإزالة الإبهام عنه إن وجد.

بعض الأعلام أتعمد عدم رفع الإبهام عنها نظرا لانفرادها فى الإبهام أو لتردد الإبهام بين شخصين كلاهما ثقة. فمن الأول عبد الرحمن بن مهدي، إبراهيم النخعي، ومن الثاني سفيان الثوري، سفيان بن عيينة. وفى الفهرس يرتفع هذا الإبهام.

عند ذكر وفاة الرجل لا أكتفي بما قاله ابن حجر فى التقريب بل أعود إلى التهذيب نظرا لأن ابن حجر يختصر عند ذكره للوفاة فيقول مثلا: مات سنة سبعين لمن كانت وفاته سنة مائة وسبعين وذلك بعد ذكره أي طبقة يكون منها ذلك الرجل. فرفعا للبس أذكر وفاته على التمام.

في مواطن الخلاف أنقل بعض أقوال العلماء فى المسألة المختلف فيها كقول الطبري، ابن كثير، النحاس، ابن الجوزي، ابن حجر وهكذا ...

أعلق فى بعض المواطن إن احتاج الأمر إلى ذلك كأن أجمع بين نصين، أو قولين، أو أرجح أو أستدرك على كلام لأحد العلماء بعد أن أورد قوله في الحاشية.

أغفلت ما كان مشهورا منها واقتصرت على تعريف الأماكن والبلدان التي يظن فشو الجهل بتحديدها ومعرفة مقرها. مثال ما تركته: مكة، المدينة، مصر ...

ومثال ما عرفت به: كابل، قديد، المريسيع. وكان المصدر الأهم فى ذلك معجم البلدان لياقوت.

من الكلمات الواردة فى الكتاب معتمدا على كتب الغريب أو اللغة.

أعبر عن النسخة الخطية الوحيدة للكتاب بلفظ: المخطوط.

وعن التعليق المكتوب فى حاشية المخطوط بلفظ: هامش المخطوط.

مثال ذلك أن أقول: الذي فى المخطوط كذا .. ، وكتب فى هامشه كذا ..

في ذكر المصدر أختصر بقدر لا يتأتى معه لبس فبدل أن أكتب:

انظر تقريب التهذيب المجلد الثاني صفحة اختصر فأقول التقريب 2/ 250.

وبدل أن أكتب: انظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر الطبري المجلد الأول تفسير آية ... أثر رقم () الصفحة رقم ...

اختصر فأقول: جامع البيان/// أثر () / ص ... وهكذا ...

أرمز للكتاب «ك» وللباب «ب» وللتحقيق «ت» وللطبعة «ط».

اخترت فى فهرسة الكتاب الاعتماد على ذكر أرقام الآثار والأحاديث دون الصفحات والذي دفعنى إلى هذا أمران:

أولهما: كثرة الآثار والأحاديث إذا قورنت بحجم الكتاب فما من صفحة في الغالب إلا ويوجد فيها أثر أو أكثر مما يجعل الرجوع إلى مكان الإحالة سهلا ميسرا.

ثانيهما: اختصار الجهد والوقت فلا أحتاج إلى إعادة الفهرسة ثانية بعد طبع الكتاب.

عند فهرسة الآيات القرآنية أرتبها حسب ترتيب المصحف فأذكر الآية طرفا منها ثم أذكر مقابل ذلك أرقام الآثار المحددة لأماكن وجودها.

عند فهرسة الأحاديث والآثار أرتبها حسب حروف المعجم مقتطعا منها ما يحصل به تمييز ذلك الأثر أو الحديث ثم أثبت الرقم مقابل ذلك.

عند فهرسة الرجال أرتبهم حسب حروف المعجم مع مراعاة الآباء فمن كان اسم أبيه إبراهيم مثلا أقدمه على من كان اسم أبيه أحمد وهكذا ..

وإن كان العلم مشهورا بكنيته ذكرته مرتين فى الأسماء وفى الكنى.

وبعد الفراغ من ذكر الأسماء أجعل بعدهم الكنى ثم يلي ذلك الأبناء ثم تراجم النساء، وفى كل ترجمة أكتب اسم الرجل وأمامه أرقام الآثار الموجود فيها فإن كان مترجما فى أحدها جعلت علامة «م» فوق رقم الأثر المترجم له فيه.

عند فهرسة الأماكن والبلدان أرتبها حسب حروف المعجم واضعا أمام كل منها أرقام الآثار الموجودة فيها.

فإن كان البلد أو المكان قد عرفت به جعلت الحرف «ع» فوق رقم الأثر الذي وقع عنده التعريف.

إن مجيء رقم الأثر فى الفهرس أمام الآية القرآنية أو العلم أو البلد أو المكان لا يلزم من ذلك أن توجد هذه الأشياء داخل الأثر المذكور بل المراد حصر مكانها ما بين مبدأ الأثر المذكور إلى مبدأ الذي يليه وهكذا.

الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن

بسم الله الرحمن الرحيم

قرأت على الشيخ الصالح بقية المشايخ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن حامد بن مفرح بن غياث الأرياحي عن أبي الحسن علي بن الحسين بن عمر الفراء الموصلي قال: أنبأنا أبو الحسن عبد الباقي بن أبي الفتح فارس بن أحمد بن موسى المقرئ الحمصي بخطه بمصر قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن عبيد بن موسى الرشا قراءة عليه وأنا أسمع سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. قال:

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي الموت قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز البغدادي (1) بمكة سنة أربع وثمانين ومائتين قال: حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال باب فضل

ت. محمد بن صالح المديفر (أصل التحقيق رسالة جامعية) — مكتبه الرشد / شركة الرياض - الرياض — الثانية، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م