(اللام)
vol. 3 · p. 70
إبليس: من ادعى الربوبية يعرف من أنا، فقال له فرعون: هل علمت من هو شر منا، قال إبليس: من باع آخرته بدنيا غيره.
فانظر هذا اللطف العظيم مع من ادعى الربوبية، فكيف بمن أقر له بالعبودية
وعبده مدة مديدة، أتراه لا يعامله بما تدهش له النفوس من العيشة الهنية.
(فمن ربكما يا موسى) :
خطاب لهما، مع أن موسى الأصل في النبوءة وهارون تابع له.
(فيسحتكم) : معناه يهلككم.
وقيل سحت وأسحت، وقد قرئ بفتح الياء وضمها.
والمعنى متفق.
(فأجمعوا كيدكم) ، أي اعزموا وأنفذوه.
وهذا من قول موسى على وجه الإسراع في مقصودهم لعلمه بباطلهم.
(فرجع موسى إلى قومه) :
يعني بعد كمال الأربعين يوما التي كلمه الله فيها في قوله: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) ، فتناول منها ورقة زيتون، فأمر بعشرة أخرى، فانظر بالله ورقة زيتون منعت متناولها عن المراد، فكيف تنال مرادك مع تناول شهواتك، وخصوصا إن كانت من ظلم للعباد.
(فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) .
أي في طاعتك لإبليس، فجعل المسبب مع السبب.
فإن قلت: لم خص آدم بالشقاء والتوبة في قوله: فتاب عليه وهدى، وحواء
كانت المتسببة؟
فالجواب: أن آدم كان نبيئا وحواء كانت من جملة الأولياء الذي يجب أن
يكون مأمون العاقبة، ومن شرط الولاية كثرة الحزن والخوف إلى آخر الزمان.
وخص آدم بالخطاب، لأنه كان المخاطب أولا والمقصود بالكلام، وأضاف
الإخراج إلى إبليس والإنزال إلى نفسه بقوله: (اسكن أنت وزوجك الجنة)
vol. 3 · p. 71
لأن الضيف إذا كان كريما لا يخرج ضيفه من ضيافته، فلما خرج قال له: يا آدم، أسكنتك في جوار العدو لتعصيه فيها، وتطيعني، فأقول هذا بذاك، والمحبة بيننا باقية، كذلك يوم القيامة يقول:
عبدي أنعمت عليك برضاك، وأطعتني برضائي، وعصيتني مخالفا لأمري، دع الطاعة في مقابلة النعمة، والزلة في مقابلة البلية، والمعرفة بيننا باقية.
(فإما يأتينكم مني هدى) :
إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة وجوابها.
(فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) .
أي لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.
(فلا تستعجلون) ، أي لا تستعجلون العذاب.
وقيل المراد هنا آدم، لأنه لما وصل الروح إلى صدره أراد أن يقوم، وهذا ضعيف.
(فعله كبيرهم هذا) :
ضمير الفعل للصنم، وذلك أنهم لما سألوه عمن كسر الأصنام قال لهم هذا القول، ومقصوده بذلك تبكيتهم لإقامة الحجة عليهم، كأنه يقول: إن كان إلها فهو قادر على أن يفعل، وإن لم يقدر فليس بإله، ولم يقصد الحقيقة المحضة.
فإن قلت: قد ورد في الحديث: أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، إحداها هذه؟
والجواب: أن معناها قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى
آخر.
ويدل على ذلك قوله: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) .
وهذا التأويل أولى، لأن نفي الكذب يعارض الحديث، والكذب الصراح لا
يجوز على الأنبياء عند أهل التحقيق.
وأما المعاريض فهي جائزة، وعلى تقدير جواز الكذب فإنما جاز له ذلك، لأنه فعله من أجل الله.